بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف
المرسلين، أما بعد:
فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو
أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد
يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على
كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت
عليّ.
قرأ إمام المسجد ذات مرة في صلاته قوله تعالى: "رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ
لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً" (مريم 65)، فتأملت في قوله
تعالى: "وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ"، فاستخدم سبحانه كلمة (اصطبر) وهي
أبلغ من كلمة (اصبر) حيث تعني أنّ الصبر هنا يتطلب مجاهدة شديدة للنفس، وتحمّلاً
فوق المعتاد، واستمرارية طويلة.
قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: (أي: اصبر نفسك عليها وجاهدها، وقم عليها أتم القيام وأكملها بحسب قدرتك)، فعبادتنا لله تعالى في هذه الحياة تحتاج إلى صبر طويل يبدأ من بداية البلوغ إلى نهاية الحياة وقد يكون وقتا طويلا أو قصيرا حسب ما يقدّره الله تعالى. المهم أنّنا نحتاج إلى صبر عظيم خلال هذه الفترة.
ودعونا نأخذ أمثلة على هذا الصبر أو الاصطبار في حياتنا،
فالصلوات الخمس تحتاج إلى صبر عظيم لا يستطيعه كلّ الناس ولذلك لا نرى كثيرا من
الناس محافظين على الصلوات الخمس في كل يوم، لماذا؟ سبب أساسي هو عدم قدرتهم على
الصبر على هذه العبادة التي تتكرر خمس مرات في اليوم وهي مستمرة مع الشخص حتى آخر
لحظة من حياته. وقس على ذلك قراءة القرآن وطلب العلم وذكر الله تعالى وغيرها.
نحتاج إلى صبر عظيم في تعاملاتنا مع الآخرين من خلال
الاتصاف بالأخلاق الحسنة والابتعاد عن السيئة وهذا كذلك مستمر معنا طوال حياتنا في
مراحل وأماكن مختلفة. ونحتاج كذلك إلى صبر كبير داخل أسرنا سواء مع والدينا أو مع
أزواجنا أو مع أبنائنا أو مع أرحامنا. وخذ هنا مثالا واحدا فيما تحتاجه تربية
أبنائنا من صبر عظيم وضخم خاصة من التحديات الضخمة الموجودة في عصرنا الحالي.
كل ما ذكرته من أمثلة تدخل في باب العبادة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنّ العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فكلّ حياتنا عبادة وبالتالي نحتاج إلى الاتصاف بالصبر والاصطبار حتى ننجو ونعبر بسلام إلى الجنة بإذن الله تعالى.
ولأنّنا نحتاج إلى هذه الكمّية الضخمة من الصبر طوال حياتنا، فإنّ الله تعالى وضع للصبر أجرا عظيما لا يعلمه إلا هو سبحانه كما قال: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزمر 10)، فتذكّر هذا الأجر الهائل يعين الشخص على الصبر والاصطبار في عبادته لله تعالى. والله الموفق إلى خير والحمد لله رب العالمين.
لقراءة المقالة السابقة (رسائل شكر)، يرجى الضغط هنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق