الثلاثاء، 26 مايو 2026

مشاهدات (174) - ثريٌّ في الجنّة

  بسم الله الرحمن الرحيم 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

يهدف كثير من الناس أن يكونوا أثرياء في الدنيا وهذا أمر مشروع مادام مصدر الثراء مشروع وكان الإنفاق في أمور مشروعة كذلك. ولكن هل فكّرنا أن نكون أثرياء في الجنّة؟ نعم، فمع النعيم الكبير والعظيم الذي سيكون عليه الشخص في الجنة، يستطيع أن يملك أمورا تجعله من الأثرياء فسيزيد نعيما إلى نعيمه لأنّ الشخص يفرح حينما يرى كثرة ممتلكاته.

ما هو مصدر الثراء في الدنيا؟ هناك أمور متعددة لعلّ أهمّها المال، فالأثرياء في العالم يُقاسون بمدى امتلاكهم للأموال أو الكنوز كما هو واضح في قوائم الأشخاص الأكثر ثراء في العالم، والكنز يمكن أن يكون مالا أو أي شيء ذات قيمة كالذهب والفضة.

وفي الجنّة، نستطيع أن نكوّن كنوزا لأنفسنا من خلال جملة واحدة فقط هي (لا حول ولا قوّة إلا بالله) كما جاء في الحديث الشريف: "ألا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ فقلت: بلى يَا رسولَ الله قَالَ: "لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ". (متفق عَلَيْهِ). فمقابل الجهد الكبير الذي نبذله في الدنيا من أجل الحصول على الثراء، نستطيع بكلمات معدودات أن نكون من أثرياء الجنة ولا شكّ أن كنز الجنّة لا يُقارن بشكل من الأشكال بكنوز الدنيا، فالاسم متشابه فقط ولكنّ النوعية والجودة مختلفة كليّة، فهنيئا لمن أكثر من قول (لا حول ولا قوّة إلا بالله) فكانت له كنوزا كثيرة في الجنة بإذن الله تعالى.

أمر آخر يجعل الشخص ثريّا في الدنيا هو مدى امتلاكه للمزارع بما فيها من أشجار ونخيل، فالشخص الذي يمتلك مائة نخلة أو شجرة في الدنيا لاشكّ أنّ له ثروة، وقد سمعت بنفسي لأشخاص يتفاخرون بامتلاكهم لمزارع وأشجار ونخيل. أمّا في الآخرة، فتستطيع الحصول على عدد هائل لا حصر له من الأشجار والنخيل بكلمات معدودة كذلك.

جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "من قَالَ: سُبْحان الله وبِحمدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ" (رواه الترمذي)، وفي الحديث الآخر: "تقولُ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، يُغْرَسُ لكَ بِكُلِّ كَلِمَةٍ منها شجرةٌ في الجنةِ" (رواه ابن ماجه)، فبهذه الأذكار تستطيع أن تمتلك آلاف بل ملايين المزارع في الجنة بعدد لا حصر لها من الأشجار والنخل فتكون من الأثرياء. هذا بالإضافة كذلك إلى أنّ الشجرة والنخلة في الجنة لا تُقارن بأي حال من الأحوال بمثيلاتها في الدنيا.

وأختم بأمر آخر يفتخر فيه أثرياء الدنيا وهو المنازل التي يمتلكونها سواء من حيث كبرها أو اتساعها أو عددها، ولا شكّ بأن بناء منزل واحد يأخذ من الشخص جهدا ووقتا من حيث بنائه وصيانته. أمّا في الجنّة، فنستطيع أن نملك منازل لا حصر لها بأمور متعددة نستطيع فعلها في الدنيا كأداء السنن الرواتب (12 ركعة في اليوم والليلة) أو نساهم في بناء المساجد وغيرها من الأمور التي جاءت بها السنة الصحيحة. وبذلك نكون من أثرياء الجنة بامتلاكنا لبيوت كثيرة لا تحتاج إلى أي جهد لصيانتها أو بنائها.

فقط نحتاج إلى إعادة توجيه تفكيرنا إلى ما يفيدنا أكثر في آخرتنا حتى ننعم أكثر في الجنة بإذن الله تعالى. والله الموفّق إلى كل خير والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (لاهية قلوبهم)، يرجى الضغط هنا.

الأحد، 17 مايو 2026

مشاهدات (173) - لاهيةً قلوبهم

 بسم الله الرحمن الرحيم 


 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

في بداية سورة الأنبياء، سطّر الله تعالى حقيقة واضحة ومؤلمة في نفس الوقت حين قال سبحانه: "اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ". (الأنبياء 1)، فيوم القيامة والحساب يقترب يوما بعد يوم من الشخص، وكلّما كَبُر الشخص في عمره، اقترب من نهايته في هذه الحياة الدنيا أكثر وأكثر. ولكنّ الحقيقة القرآنية تقول بأنّ كثيرا من الناس في غفلة من هذا الأمر العظيم، والغفلة هي حالة من السهو أو غياب الانتباه عن الشيء، أو هي عدم يقظة القلب.

فالغفلة عن الأمور الهامة في حياتنا الدنيا يُعتَبر أمرا مذموما وسيّئا فكيف إذا كانت في أهم أمر على الإطلاق وهو يوم القيامة، اليوم الذي يتحدّد فيه مصير الشخص إمّا في نعيم أو في عذاب. هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي لنا أن نغفل عنه لحظة من اللحظات، يغفل عنه كثير من الناس كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم.

ثم ذكر سبحانه وتعالى بعد آيةٍ من ذكر هذه الحقيقة سببا أساسيا لهذه الغفلة كما قال سبحانه: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْأي: (قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل، والأقوال الرديّة، مع أنّ الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه، وتستمعه استماعا، تفقه المراد منه، وتسعى جوارحهم، في عبادة ربهم، التي خلقوا لأجلها، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال، فبذلك يتم لهم أمرهم، وتستقيم أحوالهم، وتزكوا أعمالهم) كما جاء في تفسير الإمام السعدي رحمه الله تعالى.

لهو القلب من الأمراض الخطيرة التي لها آثار خطيرة على الشخص، فهذا المرض يشوّش على الشخص أولوياته في الحياة، فيقدّم الدنيا على الآخرة وقد تسبّب هلاكه والعياذ بالله تعالى في الآخرة. وهذا المرض له أعراض واضحة وقد ذكرها الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره للآية، فالذي يرى في قلبه هذه الأعراض، عليه أن يراجع نفسه وإن لم يشعر الشخص بهذه الأعراض، فعلى غيره نصحه وتوجيهه.

الاهتمام بالقلب ومعالجته من أمراضه ينبغي أن يكون أولوية للشخص لأنّ في ذلك فلاحه أو خسرانه في الدنيا والآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: "ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ" (رواه البخاري). اللهم أصلح قلوبنا وأحسن عاقبتنا ووقفنا إلى كل خير، والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (قيادة المستقبل)، يرجى الضغط هنا.

الاثنين، 27 أبريل 2026

مشاهدات (172) - قيادة المستقبل

 بسم الله الرحمن الرحيم 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

من أهم المحاور التي يركّز عليها القادة الناجحون عبر التاريخ الناس والمستقبل وهذا ما تفعله قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة حيث تركّز بشكل كبير على الناس والمستقبل من خلال المشاريع والمبادرات التي تطلقها بشكل دوري.

منذ أيام قليلة، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله تعالى ورعاه عن المنظومة الجديدة لحكومة الإمارات والتي تهدف لتحويل 50% من قطاعات وخدمات وعمليات الحكومة لتطبق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة، وقال سموه بأن العالم متغير والأدوات تتطور والتقنيات تتسارع، وسيبقى الهدف الأساسي الإنسان. وستبقى غايتنا خلق أفضل بيئة لإطلاق إمكانياته وتحقيق غاياته وبناء حياته الكريمة مرحلة جديدة في حكومة أجمل وأفضل وأسرع وأنفع بإذن الله.

هذا الإعلان يدلّ بصورة واضحة على قيادة فعّالة وواعية بما ينفع الناس وفي نفس الوقت، تقود المستقبل لتكون الدولة ضمن الدول المتقدمة. فقيادة المستقبل تعني صناعته وليس انتظاره كما يفعل الكثيرون وهذا ما يؤكّد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد دائما: (نحن لا ننتظر الأحداث بل نصنعها).

والجميل هنا هو أنّ هذا المستقبل يدور حول الإنسان، فخدمة الناس وسعادتهم هو الأساس دائما، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي هو لتسهيل حياة الناس في استخدامهم للخدمات الحكومية المختلفة.

المشروع الثاني الذي أعلن عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله ورعاه والذي يدلّ كذلك على قيادة المستقبل وخدمة الناس هو مصنع المليار وجبة للتمور، أكبر مصنع وقفي للتمور على مستوى العالم. وهو مشروع إنساني جديد من الإمارات إلى العالم، لتوفير الغذاء والعيش الكريم لأبناء المجتمعات الأقل حظاً. هذا المشروع الرائع يدلّ على الرؤية الواسعة لقيادة الإمارات حيث لا تفكّر في نفسها فقط بل في العالم أجمع.

وهذه المشاريع والمبادرات ليست بغريبة على قيادة الإمارات، فالعطاء والخير الذي تقدّمه الدولة للإنسان في الداخل والخارج أكثر من أن تُحصى ولعلّي ذكرت في حلقة سابقة مبادرة (حدّ الحياة) لمساعدة خمسة ملايين طفل في العالم من الجوع والتي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله تعالى في رمضان الماضي والتي نجحت كذلك نجاحا كبيرا بفضل الله تعالى.

قيادة المستقبل تتطلب من الشخص رؤية واسعة ودراسة للواقع والتحديات ووضع الإنسان كهدف أول لجميع المبادرات والمشاريع. نسأل الله تعالى أن يزيدنا من فضله ويعيننا على شكره ويحفظنا من جميع الفتن والشرور. والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (واصطبر لعبادته)، يرجى الضغط هنا.

الجمعة، 17 أبريل 2026

مشاهدات (171) - وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ

بسم الله الرحمن الرحيم 


 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

قرأ إمام المسجد ذات مرة في صلاته قوله تعالى: "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً" (مريم 65)، فتأملت في قوله تعالى: "وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ"، فاستخدم سبحانه كلمة (اصطبر) وهي أبلغ من كلمة (اصبر) حيث تعني أنّ الصبر هنا يتطلب مجاهدة شديدة للنفس، وتحمّلاً فوق المعتاد، واستمرارية طويلة.

قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: (أي: اصبر نفسك عليها وجاهدها، وقم عليها أتم القيام وأكملها بحسب قدرتك)، فعبادتنا لله تعالى في هذه الحياة تحتاج إلى صبر طويل يبدأ من بداية البلوغ إلى نهاية الحياة وقد يكون وقتا طويلا أو قصيرا حسب ما يقدّره الله تعالى. المهم أنّنا نحتاج إلى صبر عظيم خلال هذه الفترة.

ودعونا نأخذ أمثلة على هذا الصبر أو الاصطبار في حياتنا، فالصلوات الخمس تحتاج إلى صبر عظيم لا يستطيعه كلّ الناس ولذلك لا نرى كثيرا من الناس محافظين على الصلوات الخمس في كل يوم، لماذا؟ سبب أساسي هو عدم قدرتهم على الصبر على هذه العبادة التي تتكرر خمس مرات في اليوم وهي مستمرة مع الشخص حتى آخر لحظة من حياته. وقس على ذلك قراءة القرآن وطلب العلم وذكر الله تعالى وغيرها.

نحتاج إلى صبر عظيم في تعاملاتنا مع الآخرين من خلال الاتصاف بالأخلاق الحسنة والابتعاد عن السيئة وهذا كذلك مستمر معنا طوال حياتنا في مراحل وأماكن مختلفة. ونحتاج كذلك إلى صبر كبير داخل أسرنا سواء مع والدينا أو مع أزواجنا أو مع أبنائنا أو مع أرحامنا. وخذ هنا مثالا واحدا فيما تحتاجه تربية أبنائنا من صبر عظيم وضخم خاصة من التحديات الضخمة الموجودة في عصرنا الحالي.

كل ما ذكرته من أمثلة تدخل في باب العبادة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنّ العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فكلّ حياتنا عبادة وبالتالي نحتاج إلى الاتصاف بالصبر والاصطبار حتى ننجو ونعبر بسلام إلى الجنة بإذن الله تعالى.

ولأنّنا نحتاج إلى هذه الكمّية الضخمة من الصبر طوال حياتنا، فإنّ الله تعالى وضع للصبر أجرا عظيما لا يعلمه إلا هو سبحانه كما قال: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزمر 10)، فتذكّر هذا الأجر الهائل يعين الشخص على الصبر والاصطبار في عبادته لله تعالى. والله الموفق إلى خير والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (رسائل شكر)، يرجى الضغط هنا.

الاثنين، 30 مارس 2026

مشاهدات (170) - رسائل شكر

بسم الله الرحمن الرحيم 


 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

في زحمة الأحداث المؤلمة والتحديات الكبيرة التي نعيشها هذه الأيام، لا شكّ أنّ جهودا جبّارة تُبذَل من جميع الجهات للحفاظ على راحة وسعادة وسلامة جميع من يسكن على أرض هذه الدولة، وأريد في هذه المقالة أن أوّجه رسائل شكر إلى بعض هذه الجهات بعد شكر الله تعالى على كل شيء.

رسالة الشكر الأولى هي إلى الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة على الجهود العظيمة التي بذلتها وتبذلها منذ بداية هذا الابتلاء العظيم. فخُطَب الجمعة تركّز على معانٍ وقيمٍ هامّة جدّا نحتاجها جميعا هذه الأيام مثل الثقة بالله تعالى وحسن الظنّ به والتفاؤل والأمل والتعاون والتكاتف من خلال الربط بسور وآيات القرآن الكريم. هذا بالإضافة إلى توجيه أئمة المساجد بأداء سنّة القنوت في الصلوات وكذلك المحافظة على سلامة المصلّين خلال صلوات التراويح والتهجّد والعيد. كلّ ذلك جهودٌ عظيمة تستحقّ الشكر عليها.

أمّا رسالة الشكر الثانية، فهي إلى الجهات المختلفة التي عملت خلال موجة العاصفة التي مرّت على الدولة من بلديات وهيئات والجهات الشرطية وهيئات الطوارئ وغيرها، فهذه الجهات قامت بجهود جبّارة خلال العاصفة من أجل الحفاظ على سلامة الناس والممتلكات العامة، فلهم جزيل الشكر والتقدير.

قد لا نشعر نحن بالجهود المبذولة خلال التحديات والابتلاءات بل وقد يقوم البعض منّا بالشكوى من الزحمة أو تأخر الوصول إلى المنزل أو عدم الخروج في أوقات معيّنة، ومع ذلك فلا بدّ من معرفة أنّ هناك جهات وهيئات وأشخاص وقبل ذلك قيادة حكيمة وفعّالة يسهرون ويبذلون كل ما بوسعهم من أجل سلامة وراحة وسعادة كل من يقيم على أرض الدولة، فلهم كل الشكر والتقدير.

نسأل الله تعالى أن يحفظ دولة الإمارات من كل مكروه وسوء وضرّ وأن يحفظ أهلها وكل من يعيش على أرضها وأن يردّ كيد المعتدين والحاقدين. والله الموفق إلى كل خير والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (صنّاع الأمل)، يرجى الضغط هنا.

الثلاثاء، 17 فبراير 2026

مشاهدات (169) - صنّاع الأمل

بسم الله الرحمن الرحيم 


 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

واحدة من أجمل المبادرات التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله تعالى ورعاه، برنامج (صنّاع الأمل) والذي يهدف إلى تكريم أصحاب العطاء الذين يبعثون الأمل في الناس. هذه المبادرة الرائعة تذكّرنا بهاتين القيمتين الإسلامية والإنسانية (الأمل والعطاء) والتي لها ثمرات كثيرة سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي أو حتى العالمي.

والجميل في هذه المبادرة أنّ تكريم الفائزين جاء قبل شهر رمضان المبارك ليذكّرنا بقيمة العطاء في هذا الشهر العظيم حيث تتضاعف الأجور والحسنات وتتنوع فيه أشكال العطاء من مساعدة المحتاجين وتفطير الصائمين والمشاريع الخيرية المتنوعة. فرمضان هو شهر العطاء بامتياز وهو بمثابة دورة تدريبية لنا لكي نحرص على العطاء طوال أيام السنة بل طوال أيام حياتنا.

صنّاع الأمل رسالة لنا بأن نحرص على بعث الأمل في أنفسنا أولا وفي الآخرين ثانيا، كل بحسب استطاعته وطاقته سواء على مستوى أسرته أو زملائه في العمل أو بين أصدقائه. وأيضا، فإنّ تكريم أصحاب العطاء هؤلاء يبعث رسالة لنا بأنّ هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون لأنّهم تركوا أثرا خالدا في تاريخ البشرية من خلال مبادراتهم وأثرهم.

وبالتزامن مع هذه المبادرة الرائعة، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله تعالى ورعاه مبادرة أخرى في شهر رمضان بعنوان (حدّ الحياة) لمساعدة خمسة ملايين طفل في العالم من الجوع. ولا شكّ بأنّ هذه المبادرة هي تذكرة لنا جميعا بأهمية العطاء في هذا الشهر الفضيل، وهي تبعث في نفس الوقت أملا لعدد كبير من الأطفال وعائلاتهم في العالم بأنّ هناك من يهتم بهم ولن يتركهم ضحية للجوع.

أسأل الله تعالى أن يبارك في هذه المبادرات الرائعة وفي كل من يقوم عليها وأن يجزيهم خير الجزاء، والله الموفق إلى كل خير والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (أدعية الأنبياء منهج حياة)، يرجى الضغط هنا

الثلاثاء، 27 يناير 2026

مشاهدات (168) - أدعية الأنبياء منهج حياة

بسم الله الرحمن الرحيم 

 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قدوات لنا في كل شيء، والمتأمل في أدعيتهم الواردة في القرآن الكريم يجد أمورا عجيبة وجميلة في الوقت ذاته، وهي تحمل معانٍ متعددة ينبغي أن نقف عندها بل ونحرص عليها وعلى تطبيق المعاني الجميلة التي فيها.

إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء وقد دعا قومه إلى توحيد الله تعالى بل وطبّق التوحيد في أكمل صورة ومع ذلك فقد دعا الله تعالى: "وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ" (إبراهيم 35). وهذا يعلّمنا ألا نأمنَ على أنفسنا وأبنائنا من الشرك وأن نحرص على دعاء الله تعالى دائما بأن يرزقنا التوحيد الخالص في حياتنا وعند مماتنا.

أيوب عليه السلام قدوة في الصبر على الابتلاء فقد ابتلاه الله تعالى لسنوات طويلة وفقد كل شيء تقريبا ولكنّه حينما دعا قال: "أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" (الأنبياء 83)، وهذا قمّة في الأدب مع الله تعالى وقت الدعاء بحيث لم ينسب الضر إلى الله تعالى وناجاه سبحانه بأرحم الراحمين.

موسى عليه السلام علّمنا الافتقار إلى الله تعالى في كل وقت وحين، فقد دعا عليه السلام بقوله: "رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" (القصص 24). ثم تأمّل في نبي الله يوسف عليه السلام وهو يدعو الله تعالى: "تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" (يوسف 101)، فرغم ما آتاه الله تعالى من ملك عظيم في الدنيا إلا أنّ أمنيته كانت أن يرزقه الله تعالى حسن الخاتمة وأن يلحقه بالصالحين.

أمّا نوح عليه السلام فقد علّمنا في دعائه أن نتمنى الخير للجميع حين دعا الله تعالى: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ" (نوح 28). هذه أمثلة فقط مما ورد على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلا فهناك أدعية كثيرة أخرى وردت على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لها معانٍ جميلة جدا نحتاجها في حياتنا حتى نفلح في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، ونحتاج كذلك أن نردّد هذه الأدعية ونعلّمها الآخرين. والله الموفق إلى كل خير والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (قل أذلك خير أم جنة الخلد)، يرجى الضغط هنا.

السبت، 17 يناير 2026

مشاهدات (167) - قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ

بسم الله الرحمن الرحيم 


 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

كنت أسمع من فترة (بودكاست) عن القرآن الكريم وبالتحديد عن أسباب اختلاف الصحابة الكرام والسلف والصالح في تعاملهم مع القرآن الكريم عنّا نحن، فقد تميّزوا بأنّهم تعلّموا القرآن الكريم وعملوا به في الحال مع كثرة قراءتهم ختماتهم.

وقد جاء القرآن الكريم بقواعد كثيرة تساعدنا في حياتنا على توجيه تفكيرنا إلى الآخرة لأنّ ذلك هو الشيء الصحيح الذي ينبغي لنا أن نكون عليه. ومن هذه القواعد الرائعة قوله تعالى: "قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ" (الفرقان 15). فلو أنّنا وضعنا هذه الآية الكريمة نصب أعيننا قبل أي عمل، لأقبلنا على الأعمال الصالحة بشكل أكبر ولتجنّبنا كثيرا من الأعمال السيئة، لماذا؟

لأنّ هذه الآية تضع تساؤلا منطقيا ومقارنة بين ما سنحصل عليه إن قمنا بعمل سيء وبين ما ينتظرنا من جزاء عظيم في الآخرة إن تركنا هذا العمل. بالطبع لا توجد مقارنة أبدا ولكنّ ذلك يحتاج إلى عدّة أمور ينبغي أن نضعها في اعتبارنا.

الأمر الأول هو اليقين بالآخرة وبالجنة والنار، وقد يكون هذا الأمر غريباً عند البعض لأنّ الأغلب إن سُئِل عن وجود الجنّة والنار فسيجيب بالإيجاب ولكنّ الأساس هنا هو العمل، فالكثير يعرف بأنّ هناك جنّةٌ ونار ولكنّ أعماله لا تثبت ذلك على الإطلاق، فالمهم هنا هو العمل وليس فقط المعرفة.

والأمر الثاني هو محدودية أعمارنا في هذه الدنيا، ولذلك فإنّ أي عمل سيء لن ينفعنا أبدا لأنّه سيزيد رصيد السيئات لدينا وهذا أمر خطير لأنّه قد يؤدّي بالشخص إلى عذاب الله تعالى يوم القيامة والعياذ بالله تعالى.

ولذلك، دعونا نضع هذه الآية الكريمة دائما قبل أن نعمل أي عمل سيء "قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ" لنعلم أنّ الجنّة أغلى وأحلى وألذ من أي لذّة مؤقتة في هذه الدنيا نتيجة الأعمال السيئة. فالنعيم في الجنّة دائمة ومستمرة وكلّما كانت درجاتنا أعلى في الجنة كان النعيم أكبر، فلا شكّ أنّ ذلك خير كما قال سبحانه وتعالى.

نسأل الله تعالى أن نكون من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، والله الموفق إلى كل خير والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (أولويات العام الجديد)، يرجى الضغط هنا.

الثلاثاء، 13 يناير 2026

سلسلة (أجر عظيم) - سلسلة تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجورا عظيمة وكبيرة

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحلقة الأولى (المقدمة) - 13 يناير 2026

 


الحمد لله رب العالمين، له الحمد على جميع النعم ما ظهر منها وما بطن، ما علمنا منها وما لم نعلم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيّدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. أما بعد:

فإنّ الله تعالى وضع لنا هدفاً محدّدا في هذه الحياة الدنيا وهو عبادته عز وجلّ كما قال سبحانه: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات 56)، ومن حقّق هذا الهدف في حياته، جازاه الله تعالى في الآخرة بدخول الجنّة برحمته وفضله عزّ وجل.

ومن رحمته تعالى وفضله علينا أن وسّع دائرة العبادة بشكل كبير، فهي متنوعة وكثيرة والضابط هنا أن تكون هذه العبادة مشروعة أي جاءت في القرآن الكريم أو السنّة النبوية المطهّرة أو كليهما. وجميع هذه العبادات تحقّق للشخص أجوراً وحسنات تكون سببا في دخول الجنّة بإذن الله تعالى. وتتفاوت مقدار هذه الأجور حسب العبادات المختلفة.

ولذلك، قرّرت أن أكتب سلسلة بعنوان (أجرٌ عظيم) أهدف من خلالها إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجورا عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم حيث خُتِمت بعض الآيات ب "أجراً عظيماً" أو "أجرٌ عظيمٌ" أو "أجرٌ كبيرٌ". وهذه العبادات تستحقّ منّا الاهتمام بشكل أكبر لأنّ الأجور المترتبة عليها أكبر وأعظم وبالتالي فإنّ فرصة ارتقائنا في الجنّة ستكون أكبر بإذن الله تعالى.

وأيضا، فإنّنا نحتاج بين الحين والآخر أنْ نذكّر أنفسنا بالأعمال الصالحة حتى نقبل ونحرص عليها بشكل أكبر. سأسعى في هذه السلسلة بإذن الله تعالى أن أطرح بعض المعاني الجديدة التي استفدتها من قراءاتي وسماعي للمواد المختلفة بحيث لا تكون المادة مكرّرة مع أنّ التكرار مفيد كذلك لأنّه يدخل في قوله تعالى: "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ" (الذاريات 55).

أسأل الله تعالى أن يوفّقني لتقديم شيء مفيد وأن نكون جميعا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. والحمد لله رب العالمين.


**********************************************

الحلقة الثانية (ما هو الأجر العظيم؟) - 24 يناير 2026

 


الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من سلسلة (أجرٌ عظيم) والتي تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم. وقبل أنْ أبدأ بذكر هذه الأعمال، أحبّ أن أبدأ ببعض المقدمات الهامة والتي تشكّل القاعدة التي يجب أن ننطلق منها. وأولى هذه القواعد هي التعريف بهذا الأجر العظيم.

كلمة (أجر) تعني العِوض أو المقابل أو الجزاء الذي يحصل عليه الشخص مقابل جهده أو خدمته. وغالبا ما يكون بشكل مادي. أمّا من الناحية الشرعية، فالمعنى قريب من الذي ذكرناه ولكنّ الفرق هو أنّ الجزاء الذي سيحصل عليه الشخص يكون في الآخرة وهو عبارة عن الحسنات أو الثواب الذي سيعطيه الله تعالى لهذا الشخص جزاء أعماله الصالحة. هذا بالإضافة إلى هناك أعمال صالحة لها جزاء دنيوي كذلك وهذا من فضل الله تعالى كذلك.

والأجر في الإسلام غير محدود وهذا رحمة كبيرة من الله تعالى، فأيّ عمل صالح يعمله الشخص له أجر عند الله تعالى يبدأ بعشر حسنات إلى سبعمائة حسنة إلى عدد لا يعمله إلا الله تعالى كما قال سبحانه: "وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً" (النساء 40).

قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: ("وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا" أي: إلى عشرة أمثالها، إلى أكثر من ذلك، بحسب حالها ونفعها وحال صاحبها، إخلاصا ومحبة وكمالا. "وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً" أي: زيادة على ثواب العمل بنفسه من التوفيق لأعمال أخرى، وإعطاء البر الكثير والخير الغزير). فالأجر العظيم والثواب كبير والحسنات كثيرة.

وهناك عوامل متعددة تدخل في تحديد كمّية الأجر الذي يحصل عليه من العمل الصالح كالإخلاص والحاجة وتعدّد المنفعة وغيرها. وبالتالي لا يستطيع أحد تحديد هذه الكمية فالعلم عند الله تعالى وحده، ومن ناحية أخرى فإنّ هذا يعطي للشخص دافع لعمل الصالحات لأنّ الأجر غير محدود.

قال الله تعالى: "مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا" (القصص 84)، وهذا الخير من الله تعالى واسع وكبير ولذلك أخفاها حتى نطمع في المزيد دائما وليتنافس المتنافسون في الخيرات. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

**********************************************

الحلقة الثالثة (لماذا الأجر العظيم؟) - 13 فبراير 2026

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من سلسلة (أجرٌ عظيم) والتي تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم. وقبل أنْ أبدأ بذكر هذه الأعمال، أحبّ أن أبدأ ببعض المقدمات الهامة والتي تشكّل القاعدة التي يجب أن ننطلق منها، ومن هذه القواعد الهامة الإجابة عن سؤال هام: لماذا نحتاج الأجر العظيم؟ أو ما هي أهمية الأجر العظيم؟

لابدّ هنا من تأسيس القناعة بأهمية الأجر العظيم حتى نُقبِلَ على الأعمال المختلفة وإلا فقد يتساهل البعض أو يترك الأعمال بسبب عدم المعرفة بقيمة الأجور والحسنات فيضيّع على نفسه فرصاً عظيمة في الدنيا والآخرة.

يجب علينا بداية أن نعرف بأنّ الحساب يوم القيامة سيكون على أساس الحسنات والسيئات وبالتالي فقيمة الحسنات تظهر في هذا الموقف العصيب حيث سيتحدّد بناء على هذه الحسنات والسيئات مصير الشخص، إمّا إلى جنّة أو إلى نار. وبالتالي، فالأجر العظيم الذي نتكلّم عنه في هذه الحلقات سبب رئيس في دخول الجنّة بعد رحمة الله تعالى بل سبب أساسي كذلك لنيل هذه الرحمة الإلهية التي نحتاجها جميعا في هذا اليوم العصيب.

تأتي أهمية الأجر العظيم كذلك في أنّها سبب لتكفير السيئات كما قال سبحانه: "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ" (هود 114). ولكي نعرف قيمة الحسنات أكثر، فدعونا نعرف خطورة السيئات التي قد تكون سببا في نيل عذاب الله تعالى يوم القيامة، ولكي نتخيّل خطورة هذا العذاب، فدعونا نتأمل في حديث واحد فقط لندرك حجم الفرح والسعادة التي ستنتاب كل من ينجو من العذاب.

جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "يُؤْتَى بِأنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأيْتَ خَيْراً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللهِ يَا رَبِّ". (رواه مسلم). فلحظة واحدة في جهنّم تُنْسي الشخص كلّ النعيم الذي عاشه في الدنيا، وبالتالي فعندما نحرص على الأعمال ذات الأجور العظيمة فإنّنا سنبتعد بإذن الله تعالى عن هذا العذاب الأليم.

الأجر العظيم سبب أساسي كذلك في حصول الشخص على نعيم القبر والنجاة من عذابه، فالقبر مرحلة هامة من مراحل حياة الشخص ولا ندري كم سيمكث الشخص في قبره قبل البعث يوم القيامة، وبالتالي فإنّ سعادة الشخص ستكون عظيمة إن كان في نعيم في قبره ولاشكّ بأنّ الأجور العظيمة سبب لنيل هذا النعيم.

نحتاج فعلا إلى إعادة ضبط تفكيرنا نحو الآخرة لأن الحياة الحقيقية والأبدية ستكون هناك وبالتالي فإنّ حرصنا على الأجور العظيمة سيكسبنا سعادة مطلقة أبدية كما قال سبحانه: "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ" (هود 108). أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

**********************************************

الحلقة الرابعة (الجنّة) - 24 مارس 2026

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم. وقبل أنْ أبدأ بذكر هذه الأعمال، لابدّ من ذكر النتيجة الأكبر للأجر العظيم ألا وهو دخول الجنّة بإذن الله تعالى.

الجنّة هي الكلمة السحرية التي جعلت الصالحين في القديم والحديث يحرصون أشدّ الحرص على الأعمال الصالحة المختلفة، ويستثمرون أوقاتهم في مرضاة الله تعالى، فالجنّة مع كونها أمر غيبي إلا أنّها تفعل الأعاجيب في الشخص حين يوقن بها، وهذا هو الأمر الهام هنا: اليقين.

ولن أستطيع بحال من الأحوال أن أصف نعيم الجنّة في هذا المقال القصير، وبالتالي أنصح بقراءة الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة والكتب التي تكلّمت عن نعيم الجنة، فهي تدفع الشخص نحو عمل الصالحات والحرص على الأجور العظيمة، ولكنّني أؤكّد مرة أخرى على ضرورة غرس معنى اليقين في أنفسنا، وأقصد باليقين هنا العلم الراسخ بصدق الأمر وثبوته دون أدنى شك أو ريب، وهذا اليقين يتحقق بالعمل وليس بالمعرفة وحدها.

وكلّما زاد أجر الشخص، كان ارتفعت درجته في الجنة مما يعني نعيماً أكبر، وبالتالي فإنّ الحرص على الأعمال التي تحقّق للشخص الأجر العظيم، يرفع من درجة نعيمه في الجنّة. صحيح أنّ دخول الجنّة بحد ذاته نعيم أبدي، ولكن أنْ تحصل على نعيم أكبر لا شكّ أفضل وأحلى وأسعد للشخص.

لا توجد مقارنة بين مقدار حياتنا في الدنيا بالنسبة لحياتنا في الجنة، فماذا يساوي ستين أو سبعين أو مائة سنة بالنسبة للانهاية؟ لا شيء، وبالتالي فالعاقل هو من يستثمر هذا الوقت القصير في الدنيا في طاعة الله تعالى مقابل نعيم أبدي في الجنّة بإذن الله تعالى، والأعقل هو من يسعى لنيل الأجور العظيمة ليزيد من نعيمه في الجنّة بإذن الله تعالى.

آخر نقطة أريد أن أذكرها هو أنّ ما يزيد من قيمة الجنّة هو وجود النّار، فبضدّها تتميز الأشياء، فحينما نوقن بأنّ مع هذا النعيم العظيم هناك عذاب أليم كذلك لمن يلتزم بأوامر الله تعالى، يزداد حرصنا على الأعمال الصالحة حتى ننجو من هذا العذاب الأليم. والأعمال ذات الأجور العظيمة تساهم أكثر وأكثر في النجاة من هذا العذاب الأليم.

أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

**********************************************

الحلقة الخامسة (الإحسان) - 13 إبريل 2026


الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصال

حة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم. وأبدأ من هذه الحلقة بذكر بعض من هذه الأعمال بالاعتماد على آيات القرآن الكريم التي نصّت على أن لهذا العمل أجر عظيم.

وقبل أن أذكر الأعمال، أريد أن أبيّن بأنّني لن ألتزم بالترتيب الوارد في القرآن الكريم، فربّما أذكر عملا ذُكر في سورة معيّنة ثمّ أعود إلى عمل آخر ذُكر في سورة قبلها، فالمهم هنا هو العمل بالدرجة الأولى. وأيضا لن أستطيع بحال من الأحوال أن أذكر جميع الأعمال الواردة وبالتالي سوف أنتقي منها ما استطعت.

أولى الأعمال التي سأذكرها جاءت في قوله تعالى: "الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران 172)، فسأركّز في هذه الحلقة على معنى الإحسان. والإحسان يأتي بمعانٍ متعددة كما جاءت في أقوال المفسّرين والذي أميل إليه هو فعل الشيء على أكمل وجه أو بمعنى آخر الإتقان.

فالإحسان بهذا المعنى يدخل في جميع أمور حياتنا ولذلك كان في المرتبة العليا قبل الإيمان والإسلام كما في حديث جبريل عليه السلام حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أمور دينه حتى يعلّم الصحابة الكرام ويعلّمنا من بعده. فجاء في الحديث الشريف: "قَالَ: فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ. قَالَ: أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ" (رواه مسلم)، وهذا يؤيّد معنى الإتقان وإتيان الشيء على أكما وجه.

وبهذا، فمن يأتِ بالإحسان في عباداته وشؤون حياته يكون له أجر عظيم من الله تعالى، فالمحسن في صلاته يعني أنّه يؤدي صلاته على أكمل وجه وهذا له أجر عظيم، والمحسن في تلاوته للقرآن يعني أنّه يقرأ ويتدبّر ويعمل به وهذا أيضا له أجر عظيم، والمحسن في تعامله مع الآخرين يعني أنّه متّصف بالأخلاق الكريمة ومبتعد عن الأخلاق السيئة وهذا له أجر عظيم من الله تعالى، وقس على ذلك في جميع الأمور.

وثمرات الإحسان متعددة، فمع الأجر العظيم الذي يحصل عليه الشخص في الآخرة، فإنّ هناك ثمرات أخرى في الدنيا والآخرة ويكفي بأنّ الله تعالى يحبّ المحسنين ويكون معهم ولا يضيّع أعمالهم. هذا بالإضافة إلى أنّ الإحسان سبب لزيادة الإنتاجية في العمل وتطوّر المجتمعات.

والإحسان يحتاج إلى جهد كبير من الشخص ولذلك كان له هذا الأجر العظيم، وهذا الجهد مستمر مع الشخص من بداية تكليفه إلى نهاية حياته. والتاريخ يثبت بأنّ الإحسان سبب رئيس في التقدّم والازدهار والسعادة، أمّا حينما يتخلى الناس عن الإحسان، فالنتيجة الحتمية هي عكس ما ذكرناه وهذا لا شك أمر محزن.

نحتاج إلى الاهتمام بهذا الأمر الهام – الإحسان – ويكون جزءا من حياتنا مع سؤال الله تعالى بأن يوّفقنا إليه دائما حتى نحصل على الأجر العظيم منه سبحانه. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

**********************************************

الحلقة السادسة (التقوى) - 23 إبريل 2026


الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم. في هذه الحلقة، سأذكر العمل الثاني الذي جاء في الآية التي ذكرناها في الحلقة الماضية "الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران 172) ألا وهو التقوى.

ولنعرف قيمة التقوى، دعونا نتأمل كمية الآيات الكريمة التي جاءت بالأمر بالتقوى أو بيّنت ثمرات التقوى، فسنجدها كثيرة وهذا يدلّ على المنزلة العالية للتقوى عند الله تعالى ولذلك استحقّت بأن تكون لها هذا الأجر العظيم عند الله تعالى.

ويدلّ على هذه المنزلة العالية قوله تعالى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات 13)، فاختار سبحانه وتعالى من بين كل الأعمال التقوى ليبيّن عظم منزلة صاحبه عنده تعالى.

وهذا ليس بغريب، إذ أنّ المتّقي يحرص أشدّ الحرص على طاعة الله تعالى بأداء ما أمر به سبحانه واجتناب ما نهى عنه.

وتعريفات التقوى متعددة عند الصحابة والسلف رحمهم الله تعالى، وهذه جملة من التعريفات:

- الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

- أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

- أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تجتنب معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.

- ألا يراك الله حيث نهاك ولا يفتقدك حيث طلبك.

وكل هذه التعريفات تدلّ على أنّ تحصيل التقوى ليس بالأمر الهيّن خاصة أنها عبادة قلبية لا يطّلع عليها إلا الله تعالى ثم تظهر بعد ذلك على جوارح الشخص وتصرفاته وأعماله، وبالتالي يحتاج الشخص أولا إلى عون من الله تعالى ثم جهاد مستمر للنفس حتى آخر لحظة من لحظات الحياة، وقصص الصالحين في القديم والحديث تدلّ على هذا الاهتمام الشديد بمسألة التقوى.

وهناك أمور متعددة تساعد الشخص في تحصيله للتقوى واستمراره عليها مثل معرفة حق الله تعالى وتعظيمه سبحانه، وكذلك تذكّر الموت والجنة والنار، وأيضا استشعار ثمرات التقوى وما أعدّه الله تعالى للمتقين في الدنيا والآخرة. وتدبّر القرآن الكريم وقراءة الأحاديث النبوية الشريفة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام والسلف الصالح من الأمور المعينة كذلك على تحصيل التقوى والسير عليها.

نحتاج إلى الاهتمام بهذه العبادة القلبية الهامة مع سؤال الله تعالى بأن يوّفقنا إليه دائما حتى نحصل على الأجر العظيم منه سبحانه. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

**********************************************

الحلقة السابعة (الإيمان) - 13 مايو 2026




الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم. في هذه الحلقة، سنعيش مع الآية الكريمة: "وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران 179) لنتحدث عن عمل عظيم جدا ألا وهو الإيمان.

هناك تعريفات متعددة للإيمان، فمن تعريفاته ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف حين سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان، فقال: "أنْ تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (رواه مسلم). وقد عرّفه العلماء كذلك بأنّه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وغير ذلك.

المهم هنا بجانب معرفة التعريفات العمل بها، فهذا يعطي الإيمان هذه القيمة العالية والأجر العظيم من الله تعالى. وحتى نصل إلى مرتبة الإيمان يجب علينا أن نتدبّر آيات القرآن الكريم التي عرّفت المؤمنين وصفاتهم ونسعى بأن نتّصف بها، فبذلك نعرف كيف نصل إلى الإيمان وندرك ما للإيمان من أجر عظيم.

تأمّل مثلا في قول الله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (الأنفال 2-3)، فكل عمل من هذه الأعمال لها منزلة عالية وأجر عظيم، فاجتماعها هنا يدلّ على القيمة العالية للإيمان وكيف أنّ لها هذا الأجر العظيم عند الله تعالى.

وكذلك قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة 71)، فهذه أعمال جليلة توصل كذلك إلى الإيمان. وهناك كذلك صفات وردت في بداية سورة المؤمنون وهكذا في آيات أخرى.

أنْ يكون الشخص مؤمنا، فهذا يعني أنّ الشخص وصل إلى مرتبة عظيمة تؤهّله بأن يكون الله تعالى وليّه ومعه ولا يضيع أجره ويبشّره وينصره وغير ذلك ممّا يُفرح الشخص في الدنيا والآخرة. ويحتاج هذا الأمر إلى جهد كبير ومتواصل من الشخص حتى آخر لحظة من حياته لأنّ الشيطان ومغريات الدنيا للإنسان بالمرصاد دائما.

ثم تأمّل الأجر العظيم الذي وعده الله تعالى للمؤمن كمثل قوله تعالى: "وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة 72)، فالمؤمن ينال هذا الفضل العظيم وذلك كما قال سبحانه هو الفوز الحقيقي والمطلق. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

**********************************************

الحلقة الثامنة (الصلاة) - 25 مايو 2026



الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن الكريم. في هذه الحلقة، سنعيش مع الآية الكريمة: "لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً" (النساء 162) لنتحدث عن عمل عظيم جدا ألا وهو إقامة الصلاة.

إذا تأمّلنا كتب السنة المطهرة فسنجد بأنّ جزءا كبيرا منها احتوت على الأحاديث الشريفة المتعلقة بالصلاة وما يتعلّق بها مما يدلّ على منزلتها العالية في الإسلام ومكانتها الكبيرة عند الله تعالى ولذلك استحقّت بأن يكون لها هذا الأجر العظيم من الله تعالى.

وأهم الصلوات هي الصلوات الخمس وهي من الفرائض التي افترضها الله تعالى على عباده، فمن أدّاها في أوقاتها كاملة استحقّ الأجر العظيم من الله تعالى ومن تكاسل عنها أو لم يؤدّها فقد خسر خسرانا مبينا. قال الله تعالى في الحديث القدسي: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدي بشَيءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيه" (رواه البخاري). والصلوات الخمس على رأس هذه الفرائض وبالتالي فهي من أحبّ ما يتقرب به الشخص إلى الله تعالى.

ثم تأتي النوافل وهي كثيرة ومتعددة وكل واحدة منها لها أجر عظيم من الله تعالى، وكلّما زاد الشخص منها كان أجره أعظم وأكبر. وأفضل هذه النوافل هي قيام الليل وتدخل فيها أداء سنّة الوتر، ثم تأتي النوافل الأخرى كالسنن الرواتب التي يستطيع الشخص أن يبني لنفسه في كل يوم بيتا في الجنة بجانب حصوله على الأجر العظيم لأدائه لهذه النوافل.

وهناك صلاة الضحى التي لها أجور عظيمة جدا وكذلك سنّة الوضوء والمحافظة على أربع ركعات قبل صلاة العصر وأربع ركعات قبل الظهر وبعده وغيرها. وتأمّل معي هذا الحديث العظيم لنعرف أجرا عظيما واحدا فقط من الأجور العظيمة التي يحصل عليها الشخص من محافظته على الصلوات في اليوم والليلة. قال صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ للهِ سَجْدَةً إلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرجَةً، وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئةً" (رواه مسلم). فاحسب كم سجدة تسجد في اليوم لتعلم كم درجة تصعد وكم خطيئة تُغفَر، والحمد لله على ذلك كثيرا.

والمتأمّل في الآيات الكريمة يجد بأنّ الله تعالى يحثّ دائما على إقامة الصلاة ويثني على الذين يقيمون الصلاة وليس الذين يصلّون لأن إقامة الصلاة تعني كما قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى هي: (إقامتها ظاهرا بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطنا بإقامة روحها وهو حضور القلب فيها وتدبّر ما يقوله ويفعله منها). فليحرص الشخص على ذلك حتى ينال الأجر العظيم من الله تعالى.

 أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.