الأحد، 26 أبريل 2015

سلسلة (ولتكن لك بصمة) - سلسة تهدف إلى بيان بعض المعاني التي يستطيع بها الإنسان أن يترك بصمة خير له في الحياة الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الأولى (المقدمة)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
نرحب بكم في هذه السلسلة الجديدة والتي أسميتها ب(ولتكن لك بصمة) وستركز هذه السلسلة على معنى صناعة الحياة والتي يقصد بها ترك أثر مفيد في هذه الحياة الفانية ليستمر بعد ذلك عداد الحسنات بعد موت الإنسان ولكي يذكره الناس بعد موته ورحيله بخير.
وتم تسمية السلسلة بهذا الاسم (ولتكن لك بصمة) حيث أن بصمة كل شخص مختلفة عن الآخر وبالتالي يستطيع كل شخص أن يساهم في هذه الحياة بما يمتلكه من قدرات ومواهب أعطاه الله أياه بشكل يختلف عن الآخرين ودون أن يقارن نفسه بهم. وأيضا حينما يضع الشخص بصمته في أي مكان فإن هذه البصمة تبقى، ويستطيع من بعده أن يعرف من صاحب هذه البصمة .
إخواني الكرام...
سنتناول بإذن الله معان متنوعة تساهم في وضع بصمتنا في هذه الحياة ونؤكد بأننا نقصد بالبصمة، الأثر المفيد والخيّر لأن بعض الناس يتركون بصماتهم في هذه الحياة ولكنها بصمة سوء وشر، وبالتالي علينا أن نحرص على كيفية وضع هذه البصمة الحسنة في هذه الحياة وهو ما سنركز عليه في هذه السلسلة بإذن الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى كل خير وأن نكون جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. نلقاكم في الحلقة القادمة إن شاء الله. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الثانية (حب الله تعالى للعبد)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع هذه الحلقة الجديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نحاول من خلالها أن نعرف كيف يمكن للإنسان أن يترك بصمة خير في هذه الحياة الدنيا.
إخواني الكرام...
حتى نترك بصمة في هذه الحياة نحتاج أن نصل إلى قلوب الناس وإلى أن نكسب حبّهم، فكيف نريد لشخص رحل عن هذه الدنيا أن يذكره الناس بخير إن لم قد أحبوه.  إذا كيف نصل إلى هذا الحب والقبول من الناس؟
من عظمة هذا الدين العظيم أن بيّن لنا كل شيء، ومن جملة ما بيّنه طريق هذا الحب، والذي جاء على لسان حبيبنا صلى الله عليه وسلم حين قال – ودعونا نتأمل بشكل عميق في هذا الحديث العظيم – "إِذَا أَحَبَّ اللهُ تَعَالَى العَبْدَ ، نَادَى جِبْريلَ : إنَّ الله تَعَالَى يُحِبُّ فُلاناً، فَأَحْبِبْهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبريلُ ، فَيُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاءِ : إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً ، فَأحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرْضِ" (متفق عليه).
إذا فحب الله تعالى للعبد طريق إلى حب الناس له، وإذا سأل سائل عن كيفية حب الله تعالى للعبد، فنجيبه بحديثين عظيمين رائعين من أحاديث الحبيب صلى الله عليه وسلم، حيث يقول في الحديث الأول: "إنَّ الله تَعَالَى قَالَ : مَنْ عادى لي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدي بشَيءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حَتَّى أحِبَّهُ ، فَإذَا أَحبَبتُهُ كُنْتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشي بِهَا ، وَإنْ سَأَلَني أعْطَيْتُهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ"، (رواه البخاري) ، وفي الحديث الثاني يقول صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس". (رواه ابن ماجه).
إخواني الكرام...
طاعة الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وعدم التعلق بالدنيا طريق إلى حب الناس لنا وبالتالي يمكننا أن نترك بصمتنا في هذه الحياة ويذكرنا الناس بخير.
نسأل الله التوفيق والسداد وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. والحمد لله رب العالمين. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلقة الثالثة (الأخلاق الكريمة)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

نرحب بكم في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نهدف من خلالها إلى معرفة كيف يمكن للشخص أن يضع بصمته في هذه الحياة الدنيا.

إخواني الكرام...

الحياة الدنيا قصيرة ومهما عاش الشخص فيها فإنه لابد راحل عنها، والعاقل هو من استثمر كل لحظة فيها حتى يكسب أكبر قدر من الحسنات والأعقل منه هو من فكر كيف يكسب حسنات حتى بعد موته وهذا ما نريده عندما نقول (ولتكن لك بصمة) حيث أن ثناء الناس على الشخص ودعائهم له بالمغفرة والرحمة بسبب أعماله وأخلاقه سبب بإذن الله على استمرار حسناته بعد مماته، وإن من أكبر الأسباب التي تجعل الشخص يضع بصمته في الحياة هي أخلاقه الفاضلة والحميدة.

دعونا ننظر إلى الشخص المبتسم دائما، ألا يحبه الناس؟ دعونا ننظر إلى الشخص المعروف بالصدق، ألا يحبه الناس ويثقون به؟ دعونا ننظر إلى الشخص المتواضع، ألا يحترمه الناس؟ وهكذا مع كل الأخلاق الحميدة الأخرى.

ولنا في رسولنا عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة، حيث كان يعرف بالصادق الأمين وقد وثق به المشركون حتى بعد بعثته حيث كانوا يضعون أماناتهم عنده.

الأخلاق الحميدة من أهم الوسائل التي تؤثر في الناس وفوق كل ذلك فيها أجر كبير من الله تعالى حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ". (رواه أبوداود) ، ولذلك لا نستغرب اهتمام القرآن الكريم بالأخلاق وربطها دائما بالعبادات، فمن ذلك قول الله تعالى: "إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ" (العنكبوت 45)، وقوله تعالى: "فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ" (البقرة 197) ، وغيرها من الآيات.

إخواني الكرام...
التزامنا بالأخلاق الحميدة طريق إلى ترك بصمة خير في هذه الحياة.
نسأل الله أن يهدينا إلى أحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو ، وأن يصرف عنّا سيئها لا يصرف عنّا سيئها إلا هو. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الرابعة (المبادرات)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين وإمام المتقين، سيدنا محمد بن عبد الله، عليه وعلى آله أتم الصلاة وأزكى التسليم، أما بعد:

مع حلقة جديدة من هذه السلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها أن نعرف الوسائل التي تعيننا في وضع بصمة خير لنا في هذه الحياة الدنيا.

إخواني الكرام...

إذا تأملنا ما حولنا في الغرفة التي نحن فيها فقط نجد فيها الكثير من الأشياء، الكراسي والطاولات، الأوراق والأقلام، الساعات والنوافذ وغيرها كثير. دعونا نأخذ شيئا واحدا من هذه الأشياء وهو الكرسي. لا شك أن شخصا ما من قديم الزمان قد فكّر وخرج لنا بفكرة الكرسي وقد تطورت بعد الفكرة وخرجت أشكال وأنواع مختلفة من هذا الكرسي، دعونا نتخيل أن هذا الشخص لم يفكر أو لم يبادر بفكرة الكرسي، لكُنّا الآن بدون هذا الكرسي. الذي أريد الوصول إليه هي أن المبادرات تصنع الأعاجيب، ومطلوب منّا نحن المسلمون أن نبادر ونأخذ زمام الأمور من الغرب، وعلينا أن نخدم أمتنا بل والعالم أجمع بالمبادرات الإيجابية والتي سترفع من قيمة هذه الأمة الإسلامية بإذن الله تعالى.

إننا بحاجة إلى المبادرات والأفكار حتى لو كانت بسيطة، فلا ندري فلعل الاقتراح أو الفكرة التي لم تطبق في الوقت الحالي، سيطبق مستقبلا بل وربما في مكان آخر. ونحن المسلمون ميّزنا الله تعالى بقضية الأجر والثواب وذلك بأن أي فكرة أو مشروع يطبّق باسمنا سوف نحصل فيه على الأجر من الله تعالى بإذنه شرط أن نحقق فيه الإخلاص.
إخواني الكرام...

المبادرة المبادرة، وليساهم كل منا بفكرة أو مشروع في مجال عمله وضمن اختصاصه، ففكرة من هنا ومبادرة من هناك سيجعل العمل بإذن الله تعالى مميزا وسيترك أصحاب الأفكار والمشاريع بصماتهم في هذه الحياة.

نسأل الله أن نكون من المبادرين دائما ومن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الخامسة (التخصص)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نحاول من خلالها أن نبين كيفية ترك بصمة خير في هذه الحياة الدنيا.
إخواني الكرام...
لعل التميز من الأمور الذي يتمناه كل إنسان، ويحاول الكثير منا أن يصل إليه، وهذا التميز له وسائل كثيرة، لكن من أكبر الوسائل المعينة للحصول على هذا التميز هو التخصص في أمر معين.
المتخصصون هم من الأشخاص الذين لا ينساهم التاريخ، وإذا ذكر مجال معين كان اسم الشخص الذي برع في ذلك المجال حاضرا معه، ولا أريد أن أذكر نماذج من الغرب لأن تاريخنا الإسلامي حافل بالنماذج الفذة والرائعة، فعلى سبيل المثال إذا ذكرنا الإنفاق في سبيل الله من الصحابة يتبادر إلى أذهاننا مباشرة عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وإذا ذكرنا القيادة العسكرية فخالد بن الوليد حاضر في الذهن، وإذا انتقلنا إلى غير الصحابة وذكرنا مجال الحديث مثلا، يتبادر إلى الذهن البخاري ومسلم وهكذا في مجالات أخرى.
إخواني الكرام..
لا نريد أن نقتصر فقط على العلوم الشرعية - على جلالة قدرها - ولكننا نريد متخصصين مسلمين في المجالات الدنيوية أيضا من إدارة واقتصاد وتقنيات وسياسة وغيرها، حتى إذا استطعنا أن نبرع في هذه المجالات نهضنا بأمتنا وتفوقنا على غيرنا وأصبحنا نحن سادة الدنيا وتركنا بصمة خير فيها.
إذا... دعونا نستكشف قدراتنا وطاقاتنا ونوجهها نحو تخصص نفيد بها مجتمعنا وأمتنا والعالم أجمع.
نسأل الله التوفيق والسداد وأن نكون من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة السادسة (خدمة الناس)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

نرحب بكم في حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى بيان كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.
إخواني الكرام...
هناك فئة من الناس قد وضعوا أنفسهم لخدمة الآخرين، ووضعوا ما يملكون من أمور لمساعدة الناس المحتاجين من فقراء ومساكين ومحتاجين. هؤلاء ولا شك قد تركوا بفعلهم هذا بصمة خير في هذه الدنيا وفي نفوس أولئك الذين يساعدونهم، وفي أغلب الأحيان يكسبون دعوات صادقة من أولئك الناس وهذا بلا شك مكسب وأجر كبير.
الذي يساعد الناس وخاصة المحتاجين منهم من أفضل الناس عند الله تعالى إن أخلص في عمله هذا، وهو يُذْكَرُ بخير دائما عند أغلب الناس. وأيضا يَذكُر التاريخ دائما أصحاب الأيادي البيضاء فمن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله وصولا إلى العصر الحديث حيث يوجد أناس كثيرون، كل في بلده.
ولسنا نخصّ فقط أصحاب الأموال، فهناك من الناس البسطاء من يساعد غيره ويحرص على مساعدة اليتامى والأرامل ويحرص على مساعدة طلبة العلم المحتاجين. هؤلاء الناس كذلك لهم أجر عظيم عند الله تعالى. وحسبنا أن نتأمل هذين الحديثين العظيمين من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ ، كَالمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ، وَأحسَبُهُ قَالَ : وَكالقَائِمِ الَّذِي لاَ يَفْتُرُ ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لاَ يُفْطِرُ". (متفق عليه). الله أكبر، ما أعظمه من أجر وفضل من الله تعالى.
ثم تأمل في هذا الحديث العظيم وهو حديث حسن حيث روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ فقال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام" (رواه ابن أبي الدنيا وحسّنه الألباني).
هل بعد هذا الفضل من فضل، فلماذا نتكاسل عن مساعدة الآخرين، وحري بنا أن لا ننسى إخواننا في كل مكان وخاصة في فلسطين.
مساعدة الآخرين يجعلنا نضع بصمة خير في هذه الدنيا ويرفع من قدرنا عند الله تعالى على أن نخلص دائما في جميع الأعمال.
جعلنا الله تعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلقة السابعة (التضحية)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وسيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى بيان الطرق التي تبين كيفية وضع بصمة خير في هذه الحياة الدنيا.

إخواني الكرام...
لا شك بأن كل منا يسعى لترك أثر طيب في هذه الحياة، ولكن لنعلم علم اليقين بأن ذلك لن يتأتى إلا بصفات معينة على الشخص أن يتصف بها، وهذه الصفات كثيرة ومن أهمها صفة التضحية.

هذه الصفة الهامة التي ينبغي لكل من أراد التميز والنجاح أن يتحلى بها. وهل يأتي التميز إلا بعد التضحية؟ وهل نريد أن ينتشر الخير في مجتمعاتنا بغير جهد ولا بذل ولا تعب؟ هل نرجو بأن تَعُمّ الأخلاق الحميدة والقيم الراقية في المجتمع ونحن جالسون في بيوتنا نضع رجلا فوق رجل ونأكل في الوقت الذي نريد وننام ونستيقظ وقتما نشاء ووكل طلباتنا مستجابة؟
كلا وألف كلا. الذي يريد ترك أثر طيب في الدنيا ونيل مرضاة الله عز وجل، والذي يريد للمجتمع بل وللعالم أن يتحسن عليه أن يضحّي، يضحّي بماله لمساعدة الفقراء والمحتاجين ويساهم في مشاريع المجتمع المفيدة. يضحي براحته ونومه في سبيل دعوة الناس إلى الخير وابتكار طرق ووسائل جديدة في الدعوة، يضحّي بوقته في قراءة الأشياء المفيدة وتثقيف نفسه ومتابعة أخبار العالم الإسلامي.

وحتى العبادة تحتاج إلى التضحية وكلما زاد تضحية الإنسان زادت منزلته عند الله تعالى، وسبحان الله مع أن التضحية بمعناها الظاهري خسارة ولكنها في الحقيقة ربح وفوز في الدنيا والآخرة.
ولا أريد أن أضرب أمثلة من تاريخنا الإسلامي الحافل بالنماذج الرائعة والتي ضحّت بأجل ما تملك، ويكفينا أن نرى إخوانا لنا في فلسطين الحبيبة يضحّون بأغلى ما يملكون وهم بذلك يتركون بصمة خير في هذه الحياة الدنيا.

التضحية ذو معان واسعة، وكلما ضحّى الإنسان بالغالي من عنده، كلما كان أثره وأجره أكبر بإذن الله. نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى مرضاته وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلقة الثامنة (التفاؤل)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.

إخواني الكرام...
الناظر إلى الأمة الإسلامية في هذه الأيام يجد بأنها تمر بظروف صعبة، والمتأمل في المجتمعات يجد بأنها تعاني الكثير من المشاكل، وبالتالي يتسرب إلى بعض الذين يحاولون نشر الخير في المجتمع شيء من اليأس وقد يصيبهم التردد في أداء رسالتهم لكثرة ما يشاهدونه من عقبات أمام طريقهم.

نقول لهؤلاء ولكل من أراد أن تكون لك بصمة، أن هناك قيمة هامة ينبغي أن لا تغيب عنّا أبدا وهي قيمة التفاؤل، هذه القيمة التي أصبحت غائبة عند كثير من الناس وبالتالي استسلموا للأمر الواقع ورضوا بأن يعيشوا في معزل عن الناس بحيث يؤدون عباداتهم ولا يعيرون أي اهتمام للفساد المنتشر ولنصح الآخرين ولسان حالهم يقول: نفسي نفسي.
هل تأملنا في قصة الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب وهو يكسر الصخرة التي استعصت على المسلمين، وتنطلق من هذه الصخرة نورا يبشر بها النبي أصحابه بفتح فارس واليمن؟ ما هذا التفاؤل العجيب؟ وهو وأصحابه محاصرون من الأحزاب من عشرة آلاف مقاتل واليهود الخائنون من وراء ظهورهم والمنافقون يحاولون تثبيطهم، ومع ذلك يغرس المربي الأول في أصحابه هذه القيمة العظيمة، قيمة التفاؤل.

وهل تأملنا قبل ذلك في كتاب الله تعالى في آيات كثيرة تعطي المؤمن تفاؤلا كبيرا بأن النهاية ستكون حتما لأهل الحق ودعونا نتأمل بآية واحدة فقط وهي قوله تعالى: "أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (الأنبياء 105).
من أراد أن يترك بصمة خير في هذه الدنيا عليه أن يتحلى دائما بالتفاؤل بشرط أن يدفعه هذا التفاؤل إلى العمل والاجتهاد وليس إلى الركون والكسل وانتظار الفرج بدون أي عمل وجهد.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى مرضاته وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة التاسعة (الصحبة الصالحة الإيجابية)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى بيان كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.

إخواني الكرام...
من النادر أن نجد شخصا يعيش بمفرده بعيدا ومعزولا عن الناس، فالإنسان اجتماعي بطبعه وأغلب الناس يحبون أن يتخذوا أصدقاء لهم لمصالح وأغراض كثيرة، وهنا تأتي أهمية البيئة التي يجب أن يكون فيها من أراد أن يترك بصمته في هذه الحياة.

الصحبة الصالحة الإيجابية من أهم العوامل التي تساعد الشخص على العمل والجد والإبداع، فهو يستقبل رسائل إيجابية متفائلة من أصدقائه وبالتالي يدفعه ذلك على العمل. وعلى النقيض من ذلك، تخيلوا شخصا يريد أن يعمل ويدعو الناس إلى الخير ولكنه يُوَاجه بأصحاب سلبيين محبّطين يبعثون له رسائل سلبية كلما اقترح شيئا أو بادر بشيء، وحتى لو عمل ذلك الشخص فإنه في الغالب لن يكون بنفس حماس الشخص الموجود في بيئة صالحة إيجابية.
ومن هنا ندرك أهمية وصية الله تعالى لرسوله ولنا بالتمسك بالصحبة الصالحة حيث يقول الله تعالى في سورة الكهف: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً" (الكهف 28). تأملوا في كلمة (واصبر) حيث تدل على أننا يجب أن نصبر على هذه الصحبة الصالحة حتى لو بدر منهم شيء غير مقبول اتجاهنا، وأيضا تأملوا في جملة (ولا تعد عيناك عنهم) وهو تعبير قرآني عجيب رائع يدلّ على قوة التمسك بهذه الصحبة.
البيئة الإيجابية تولد أشخاصا إيجابيين والذي يريد أن يترك بصمة خير في هذه الدنيا عليه أن يبحث عن هذه الصحبة ويتمسك بها.

نسأل الله أن يوفقنا إلى كل خير وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلقة العاشرة (الابتعاد عن الصفات السلبية)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى بيان كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.

إخواني الكرام...
هناك مقولة سائدة تقول "عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقّيه" ومن هذا المنطلق نستعرض معكم بعض الأمراض بل قل إن شئت بعض العوائق التي تقف في طريق الشخص الذي يريد أن يضع بصمته في هذه الحياة، والأمراض أو العوائق كثيرة ولكني سأختار بعضا منها وهي:

1) التكبر والغرور وهما مصدر لكثير من المعاصي والآثام، والمتأمل في الأشخاص المتكبرين يجد بأن الناس تنفر منهم بشكل عام وإن صاحبهم البعض فلمصلحة مؤقتة تزول بانتهاء تلك المصلحة، فعلى الشخص الإيجابي أن يبتعد عن هذه الصفة السيئة ويتذكر بأن الله تعالى قادر عليه في أي وقت.

2) يقول صلى الله عليه وسلم في النهي عن بعض الصفات السلبية: "لاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَقَاطَعُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ" (متفق عليه). فالتباغض والحسد والتدابر والمقاطعة من أخطر الأمراض الفتاكة التي تهدم المجتمع الإيجابي بل والشخص الإيجابي أيضا، ولذلك وجب علينا أن نقي أنفسنا من هذه الآفات حتى لا تتأثر معاني الإيجابية عندنا.

3) الكذب وهي من أقبح الصفات وهي تهدم كثيرا من المعاني التي يريد أن ينشرها الشخص وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بخطورة هذه الصفة بقوله "وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ" (متفق عليه).

4) الغضب، هذه الصفة السيئة والتي تؤدي إلى كثير من التصرفات السلبية، وقد وصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالابتعاد عنها بقوله "لا تغضب" (رواه البخاري)، وكذلك حين بيّن صلى الله عليه وسلم الرجولة الحقة بقوله "لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَملكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" (متفق عليه).

هذه بعض العوائق التي تقف في وجه الشخص الذي يريد أن يضع بصمته في هذه الحياة، لذلك وجب عليه أن يقي نفسه منها.

نسأل الله تعالى أن يجنّبنا هذه الأمراض وأن يظهر قلوبنا وأفعالنا منها، والله الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلقة الحادية عشرة (وجود الهمّ)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى بيان كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.

إخواني الكرام...
حينما نتكلم عن الناجحين وصفاتهم، فإننا نتكلم عن صفات كثيرة امتاز بها هؤلاء الناجحون حتى وصلوا إلى ما هم عليه، والناظر إلى هؤلاء الناجحين نجد أن كل واحد منهم يحمل همّا معينا، كل حسب ديانته وجنسيته، فالمسلمون تختلف همومهم عن الكفار وكذلك قد يختلف همّ شخص في دولة من دول الشرق عنه في الغرب.

ولكن على المسلم الذي يريد النجاح وترك بصمة خير في هذه الدنيا أن يحمل همّا عظيما يستحق أن يضحّي من أجله الأوقات والأموال. فمن الناس من يحمل همّ إصلاح الناس وهدايتهم إلى الخير ومنهم من يحمل همّ نشر السنن والقضاء على البدع، ومنهم من يحمل همّ تطوير الدولة من الناحية العلمية وهكذا يختلف الناس في همومهم.
وهنا نؤكد على أمور هامة يجب أخذها في الاعتبار، أولها بلا شك هي مسألة النية وابتغاء مرضاة الله تعالى في جميع الأعمال الذي يقوم به هذا الشخص وإلا كانت جميع أعماله هباء منثورا، ويساعد في هذا الأمر أيضا الحديث العظيم للرسول صلى الله عليه وسلم والذي قال فيه في كلمات رائعة "من كان همّه الآخرة، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همّه الدنيا فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له" (رواه الترمذي).

أيضا علينا أن نضع في اعتبارنا وزن الهمّ الذي نحمله وأولويته في المجتمع ، وأيضا استثمار قدرات الشخص وطاقاته في سبيل تحقيق هذا الهمّ.
ولا شك بأن الأمثلة من تاريخنا الإسلامي العظيم كثيرة جدا ويكفينا همّ الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده أبوبكر وعمر بن الخطاب والذين جاؤوا من بعدهم كعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهم كثير.

نسأل الله أن يعيننا في جميع أمورنا وأن يجعل همومنا في خدمة ديننا وأن يوفقنا إلى كل خير، والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الثانية عشرة (طلب التوفيق من الله تعالى)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.

إخواني الكرام...
قد يبذل الشخص جهودا جبارة لتحقيق هدف ما، فهو يخطط ويضع الوسائل ويشكل فرق عمل، وبعد كل ذلك قد لا ينجح، هل تساءل لماذا؟ الكثير منّا يبذل الأسباب الدنيوية لنجاح أي مشروع ولكن القليل منّا يعتمد على مسبب هذه الأسباب ، الله سبحانه وتعالى الذي بيده نجاح كل شيء في أي عمل.

نعم مطلوب منّا أن نخطط ونضع الوسائل ونشكل فرق عمل، فهذا كله ضرورة بلا شك بل وإن الله تعالى يأمرنا باتخاذ الأسباب، ولكن لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن ننسى الاعتماد على الله تعالى بعد بذل هذه الأسباب في أن يعيننا ويوفقنا في تحقيق أهدافنا.
دعونا نتأمل في هذه الآية الجميلة والرائعة والتي يجب على كل من أراد أن يترك بصمة خير في هذه الحياة أن يتخذها شعارا له في حياته، حيث يقول الله تعالى "وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (هود 88). حقا إنها آية رائعة تدل على أن اعتماد الشخص في النهاية على الله تعالى وحده، ولا يتأتّى ذلك إلا من خلال قوة الارتباط بالله تعالى وحسن الصلة به.

وفي قصص الصالحين ومن قبلهم النبي صلى الله عليه وسلم العبرة والعظة، ولنا في حادثة الهجرة مثلا عظيما في مدى ثقة الرسول صلى الله عليه وسلم بالله تعالى، فبعد أن اتخذ الرسول جميع الأسباب الدنيوية بحيث لا يكتشفه الأعداء ومع كل ذلك التخطيط والترتيب اقتربوا منه في غار ثور وبعدما خاف أبوبكر رضي الله عنه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبا بكر في ثقة عالية "ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" وفي ذلك نزل قول الله عز وجل: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة 40).
اللجوء إلى الله تعالى مطلب ضروري لكل من أراد أن يترك بصمة، وكلما كانت علاقة الشخص بالله تعالى أقوى، كان تأييد الله تعالى له أقوى وأكبر.
جعلنا الله تعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الثالث عشرة (الثقة بالنفس)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.


إخواني الكرام...
أحيانا يتحمس الشخص بتحقيق هدف ما، أو بإنجاز مشروع ما، ويأتي ذلك في معظم الأحيان بعد حضور دورة ممتعة أو محاضرة شيقة أو سماع حديث إذاعي وغيرها، ولكن ما الذي يحصل بعد ذلك؟! يتسرب إلى داخل الشخص التردد ويضع لنفسه الكثير من العراقيل ويزيد الطين بلة إن كان مصاحبا للسلبيين والمحبطين والنتيجة عدم الثقة بالنفس وعدم تحقيق الهدف أو المشروع.


الثقة بالنفس من أهم العوامل التي تجعل الشخص يضع بصمته في هذه الحياة، فالله سبحانه وتعالى منحنا قدرات هائلة ومهارات رائعة نستطيع أن نفعل بها الكثير ونحقق إنجازات ضخمة إذا احسنا استثمارها ووضعها في أماكنها الصحيحة.
إن عوامل اكتساب هذه الثقة كثيرة ومن أهمها قوة الصلة بالله تعالى وأيضا مواجهة التردد والخوف الحاصل في النفس والإصرار على إنجاز الهدف والمشروع.

وأيضا لا ينبغي أن تقود شدة الثقة بالنفس إلى الغرور لأنه يؤدي إلى عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، وعلى الشخص أن يكون دائم الصلة بالله تعالى يطلب منه التوفيق والعون في جميع أموره.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى كل خير وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الرابع عشرة (الصبر)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي نسعى من خلالها إلى كيفية ترك بصمة خير في هذه الدنيا مع الحصول على الأجر من الله تبارك وتعالى.
إخواني الكرام...
يقول الله تعالى في آيتين عظيمتين من آيات القرآن الكريم – وكل آيات القرآن عظيمة – "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" (البقرة 155) وفي الآية الأخرى "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزمر 10).
أحببت هذه المرة أن أبدأ بكلام الله عز وجل ومن ثم أنطلق إلى المعنى الهام والذي تبين من خلال الآيتين العظيمتين، ألا وهو معنى الصبر. تفكروا معي في هاتين الآتين وسنجد الأجر العظيم من وراء الاتصاف بهذه الصفة، بالله عليكم ما الذي تحمله جملة "بغير حساب"؟ الصفقات التجارية في الدنيا تتكلم عن المليارات ولكن الصفقات الأخروية تتحدث عن أرقام مهولة لا نستطيع حتى أن نتخيلها. أليس هذا دافعا لنا لكي نصبر؟
لماذا نتحدث عن الصبر؟ لأن الذي يريد أن يضع بصمة خير سيواجه بلا شك عقبات وعوائق في طريقه لأن هذه هي سنة الحياة، لابد من صاحب الرسالة السامية أن يواجه من يحاول عرقلته بشتى الوسائل، وبالتالي إن لم يتحلى بهذه الصفة لن يستطيع تأدية رسالته وسيتوقف عن مواصلة هذا الطريق.
ألم يتعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لعقبات في طريقه؟ ألم يتعرض الصحابة والصالحون من بعدهم لمشقات وعوائق؟ هل وقفوا أمامه؟ لا، بل زادهم ذلك قوة وصلابة ودفعهم صبرهم إلى تحمل هذه العقبات، وبذلوا جهدهم في سبيل نشر رسالتهم وتركوا بعد ذلك بصمة في هذه الحياة.
هذه الصفة هامة جدا لكل من أراد ترك بصمة خير في هذه الدنيا، نسأل الله أن يوفقنا للتخلق بها وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الأخيرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مع هذه الحلقة من سلسلة (ولتكن لك بصمة) والتي ستكون بإذن الله تعالى الأخيرة في هذه السلسلة.
إخواني الكرام....
ترك بصمة في هذه الدنيا ليس بالأمر السهل فهو توفيق من الله عز وجل أولا وأخيرا، ومن ثم يعتمد علينا نحن ، هل نريد فعلا أن نترك بصمة أم لا؟
قد يتساءل الكثير، ولماذا نترك بصمة؟ أقول وبشكل بسيط، لكي تستمر حسناتك بعد مماتك. دعونا نضرب مثالين لكي تكون الصورة أوضح، شخصين عاشا نفس العمر ولنفترض خمسين سنة، الأول جمع مليون حسنة – مثلا- وبعد أن مات توقفت حسناته لأنه لم يترك أي شيء وراءه وكان حريصا فقط على العبادات من صلاة وصيام وقراءة قرآن وغيرها – مع أهمية هذه العبادات إلا أن أثرها يعود على الشخص فقط -. والثاني جمع أيضا مليون حسنة ولكنه تميز عن الشخص الأول بأنه بجانب عبادته كان يدعو إلى الله تعالى بالوسائل المختلفة والمتنوعة وبالتالي ترك بصمة ولو بسيطة في حياة الناس. هذا بلا شك ستسمر حسناته بإذن الله بعد مماته وإذا افترضنا أن يوم القيامة سيكون بعد ألف سنة من وفاة هذا الشخص وفي كل يوم يحصل على عشر حسنات فالنتيجة مليون حسنة إضافية، فضل من الله ومنّة.
أرأيتم أهمية ترك بصمة في هذه الحياة؟ ولا ننسى أنه يجب أن نسعى جاهدين إلى أن تكون هذه البصمة بصمة خير لأنها إن كانت غير ذلك انقلبت على الشخص والنتيجة سيئات بدل الحسنات.
حاولنا خلال هذه الحلقات أن نبيّن وسائل متنوعة لكيفية ترك بصمة خير وكذلك بعض الصفات التي تساعد على ترك بصمات خير في هذه الدنيا، ولا شك بأن هناك معان كثيرة أخرى في هذا الباب لم نتطرق إليها ولكن حسبنا ما ذكرنا وبفضل الله هناك الكثير من البرامج الإعلامية التي تتحدث عن هذا الجانب.
أسأل الله تعالى أن نكون قد وقفنا في هذه السلسلة، وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب، وأن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق