الثلاثاء، 26 مايو 2026

مشاهدات (174) - ثريٌّ في الجنّة

  بسم الله الرحمن الرحيم 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

يهدف كثير من الناس أن يكونوا أثرياء في الدنيا وهذا أمر مشروع مادام مصدر الثراء مشروع وكان الإنفاق في أمور مشروعة كذلك. ولكن هل فكّرنا أن نكون أثرياء في الجنّة؟ نعم، فمع النعيم الكبير والعظيم الذي سيكون عليه الشخص في الجنة، يستطيع أن يملك أمورا تجعله من الأثرياء فسيزيد نعيما إلى نعيمه لأنّ الشخص يفرح حينما يرى كثرة ممتلكاته.

ما هو مصدر الثراء في الدنيا؟ هناك أمور متعددة لعلّ أهمّها المال، فالأثرياء في العالم يُقاسون بمدى امتلاكهم للأموال أو الكنوز كما هو واضح في قوائم الأشخاص الأكثر ثراء في العالم، والكنز يمكن أن يكون مالا أو أي شيء ذات قيمة كالذهب والفضة.

وفي الجنّة، نستطيع أن نكوّن كنوزا لأنفسنا من خلال جملة واحدة فقط هي (لا حول ولا قوّة إلا بالله) كما جاء في الحديث الشريف: "ألا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ فقلت: بلى يَا رسولَ الله قَالَ: "لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ". (متفق عَلَيْهِ). فمقابل الجهد الكبير الذي نبذله في الدنيا من أجل الحصول على الثراء، نستطيع بكلمات معدودات أن نكون من أثرياء الجنة ولا شكّ أن كنز الجنّة لا يُقارن بشكل من الأشكال بكنوز الدنيا، فالاسم متشابه فقط ولكنّ النوعية والجودة مختلفة كليّة، فهنيئا لمن أكثر من قول (لا حول ولا قوّة إلا بالله) فكانت له كنوزا كثيرة في الجنة بإذن الله تعالى.

أمر آخر يجعل الشخص ثريّا في الدنيا هو مدى امتلاكه للمزارع بما فيها من أشجار ونخيل، فالشخص الذي يمتلك مائة نخلة أو شجرة في الدنيا لاشكّ أنّ له ثروة، وقد سمعت بنفسي لأشخاص يتفاخرون بامتلاكهم لمزارع وأشجار ونخيل. أمّا في الآخرة، فتستطيع الحصول على عدد هائل لا حصر له من الأشجار والنخيل بكلمات معدودة كذلك.

جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "من قَالَ: سُبْحان الله وبِحمدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ" (رواه الترمذي)، وفي الحديث الآخر: "تقولُ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، يُغْرَسُ لكَ بِكُلِّ كَلِمَةٍ منها شجرةٌ في الجنةِ" (رواه ابن ماجه)، فبهذه الأذكار تستطيع أن تمتلك آلاف بل ملايين المزارع في الجنة بعدد لا حصر لها من الأشجار والنخل فتكون من الأثرياء. هذا بالإضافة كذلك إلى أنّ الشجرة والنخلة في الجنة لا تُقارن بأي حال من الأحوال بمثيلاتها في الدنيا.

وأختم بأمر آخر يفتخر فيه أثرياء الدنيا وهو المنازل التي يمتلكونها سواء من حيث كبرها أو اتساعها أو عددها، ولا شكّ بأن بناء منزل واحد يأخذ من الشخص جهدا ووقتا من حيث بنائه وصيانته. أمّا في الجنّة، فنستطيع أن نملك منازل لا حصر لها بأمور متعددة نستطيع فعلها في الدنيا كأداء السنن الرواتب (12 ركعة في اليوم والليلة) أو نساهم في بناء المساجد وغيرها من الأمور التي جاءت بها السنة الصحيحة. وبذلك نكون من أثرياء الجنة بامتلاكنا لبيوت كثيرة لا تحتاج إلى أي جهد لصيانتها أو بنائها.

فقط نحتاج إلى إعادة توجيه تفكيرنا إلى ما يفيدنا أكثر في آخرتنا حتى ننعم أكثر في الجنة بإذن الله تعالى. والله الموفّق إلى كل خير والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (لاهية قلوبهم)، يرجى الضغط هنا.

الأحد، 17 مايو 2026

مشاهدات (173) - لاهيةً قلوبهم

 بسم الله الرحمن الرحيم 


 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فهدفي من هذه المقالات هي كتابة أحداث أعايشها أو أشاهدها أو أسمع عنها شخصيا مع بيان وجهة نظري أو تحليلي لهذه الأحداث، وقد يوافقني البعض ويخالفني آخرون وهذا شيء طبيعي لأنه من المستحيل أن يتفق الناس على كل شيء، وسأذكر هذه الأحداث بشكل مختصر مع بيان الأمور التي استفدت منها أو أثرّت عليّ.

في بداية سورة الأنبياء، سطّر الله تعالى حقيقة واضحة ومؤلمة في نفس الوقت حين قال سبحانه: "اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ". (الأنبياء 1)، فيوم القيامة والحساب يقترب يوما بعد يوم من الشخص، وكلّما كَبُر الشخص في عمره، اقترب من نهايته في هذه الحياة الدنيا أكثر وأكثر. ولكنّ الحقيقة القرآنية تقول بأنّ كثيرا من الناس في غفلة من هذا الأمر العظيم، والغفلة هي حالة من السهو أو غياب الانتباه عن الشيء، أو هي عدم يقظة القلب.

فالغفلة عن الأمور الهامة في حياتنا الدنيا يُعتَبر أمرا مذموما وسيّئا فكيف إذا كانت في أهم أمر على الإطلاق وهو يوم القيامة، اليوم الذي يتحدّد فيه مصير الشخص إمّا في نعيم أو في عذاب. هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي لنا أن نغفل عنه لحظة من اللحظات، يغفل عنه كثير من الناس كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم.

ثم ذكر سبحانه وتعالى بعد آيةٍ من ذكر هذه الحقيقة سببا أساسيا لهذه الغفلة كما قال سبحانه: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْأي: (قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل، والأقوال الرديّة، مع أنّ الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه، وتستمعه استماعا، تفقه المراد منه، وتسعى جوارحهم، في عبادة ربهم، التي خلقوا لأجلها، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال، فبذلك يتم لهم أمرهم، وتستقيم أحوالهم، وتزكوا أعمالهم) كما جاء في تفسير الإمام السعدي رحمه الله تعالى.

لهو القلب من الأمراض الخطيرة التي لها آثار خطيرة على الشخص، فهذا المرض يشوّش على الشخص أولوياته في الحياة، فيقدّم الدنيا على الآخرة وقد تسبّب هلاكه والعياذ بالله تعالى في الآخرة. وهذا المرض له أعراض واضحة وقد ذكرها الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره للآية، فالذي يرى في قلبه هذه الأعراض، عليه أن يراجع نفسه وإن لم يشعر الشخص بهذه الأعراض، فعلى غيره نصحه وتوجيهه.

الاهتمام بالقلب ومعالجته من أمراضه ينبغي أن يكون أولوية للشخص لأنّ في ذلك فلاحه أو خسرانه في الدنيا والآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: "ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ" (رواه البخاري). اللهم أصلح قلوبنا وأحسن عاقبتنا ووقفنا إلى كل خير، والحمد لله رب العالمين.


لقراءة المقالة السابقة (قيادة المستقبل)، يرجى الضغط هنا.