الجنّة هي الكلمة السحرية التي جعلت الصالحين
في القديم والحديث يحرصون أشدّ الحرص على الأعمال الصالحة المختلفة، ويستثمرون
أوقاتهم في مرضاة الله تعالى، فالجنّة مع كونها أمر غيبي إلا أنّها تفعل الأعاجيب
في الشخص حين يوقن بها، وهذا هو الأمر الهام هنا: اليقين.
ولن أستطيع بحال من الأحوال أن أصف نعيم
الجنّة في هذا المقال القصير، وبالتالي أنصح بقراءة الآيات الكريمة والأحاديث
النبوية الصحيحة والكتب التي تكلّمت عن نعيم الجنة، فهي تدفع الشخص نحو عمل
الصالحات والحرص على الأجور العظيمة، ولكنّني أؤكّد مرة أخرى على ضرورة غرس معنى
اليقين في أنفسنا، وأقصد باليقين هنا العلم الراسخ بصدق الأمر وثبوته دون أدنى شك
أو ريب، وهذا اليقين يتحقق بالعمل وليس بالمعرفة وحدها.
وكلّما زاد أجر الشخص، كان ارتفعت درجته في
الجنة مما يعني نعيماً أكبر، وبالتالي فإنّ الحرص على الأعمال التي تحقّق للشخص
الأجر العظيم، يرفع من درجة نعيمه في الجنّة. صحيح أنّ دخول الجنّة بحد ذاته نعيم
أبدي، ولكن أنْ تحصل على نعيم أكبر لا شكّ أفضل وأحلى وأسعد للشخص.
لا توجد مقارنة بين مقدار حياتنا في الدنيا
بالنسبة لحياتنا في الجنة، فماذا يساوي ستين أو سبعين أو مائة سنة بالنسبة للانهاية؟
لا شيء، وبالتالي فالعاقل هو من يستثمر هذا الوقت القصير في الدنيا في طاعة الله
تعالى مقابل نعيم أبدي في الجنّة بإذن الله تعالى، والأعقل هو من يسعى لنيل الأجور
العظيمة ليزيد من نعيمه في الجنّة بإذن الله تعالى.
آخر نقطة أريد أن أذكرها هو أنّ ما يزيد من قيمة
الجنّة هو وجود النّار، فبضدّها تتميز الأشياء، فحينما نوقن بأنّ مع هذا النعيم
العظيم هناك عذاب أليم كذلك لمن يلتزم بأوامر الله تعالى، يزداد حرصنا على الأعمال
الصالحة حتى ننجو من هذا العذاب الأليم. والأعمال ذات الأجور العظيمة تساهم أكثر
وأكثر في النجاة من هذا العذاب الأليم.
أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات
وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة الخامسة (الإحسان) - 13 إبريل 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي
تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصال
حة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما
جاءت في القرآن الكريم. وأبدأ من هذه الحلقة بذكر بعض من هذه الأعمال بالاعتماد
على آيات القرآن الكريم التي نصّت على أن لهذا العمل أجر عظيم.
وقبل أن أذكر الأعمال، أريد أن أبيّن بأنّني
لن ألتزم بالترتيب الوارد في القرآن الكريم، فربّما أذكر عملا ذُكر في سورة معيّنة
ثمّ أعود إلى عمل آخر ذُكر في سورة قبلها، فالمهم هنا هو العمل بالدرجة الأولى.
وأيضا لن أستطيع بحال من الأحوال أن أذكر جميع الأعمال الواردة وبالتالي سوف أنتقي
منها ما استطعت.
أولى الأعمال التي سأذكرها جاءت في قوله
تعالى: "الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا
أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ
عَظِيمٌ" (آل عمران 172)، فسأركّز في هذه الحلقة على معنى الإحسان. والإحسان يأتي
بمعانٍ متعددة كما جاءت في أقوال المفسّرين والذي أميل إليه هو فعل الشيء على أكمل
وجه أو بمعنى آخر الإتقان.
فالإحسان بهذا المعنى يدخل في جميع أمور
حياتنا ولذلك كان في المرتبة العليا قبل الإيمان والإسلام كما في حديث جبريل عليه
السلام حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أمور دينه حتى يعلّم
الصحابة الكرام ويعلّمنا من بعده. فجاء في الحديث الشريف: "قَالَ: فأَخْبرني
عَنِ الإحْسَانِ. قَالَ: أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ
تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ" (رواه مسلم)، وهذا يؤيّد معنى الإتقان وإتيان الشيء
على أكما وجه.
وبهذا، فمن يأتِ بالإحسان في عباداته وشؤون
حياته يكون له أجر عظيم من الله تعالى، فالمحسن في صلاته يعني أنّه يؤدي صلاته على
أكمل وجه وهذا له أجر عظيم، والمحسن في تلاوته للقرآن يعني أنّه يقرأ ويتدبّر
ويعمل به وهذا أيضا له أجر عظيم، والمحسن في تعامله مع الآخرين يعني أنّه متّصف
بالأخلاق الكريمة ومبتعد عن الأخلاق السيئة وهذا له أجر عظيم من الله تعالى، وقس
على ذلك في جميع الأمور.
وثمرات الإحسان متعددة، فمع الأجر العظيم
الذي يحصل عليه الشخص في الآخرة، فإنّ هناك ثمرات أخرى في الدنيا والآخرة ويكفي
بأنّ الله تعالى يحبّ المحسنين ويكون معهم ولا يضيّع أعمالهم. هذا بالإضافة إلى
أنّ الإحسان سبب لزيادة الإنتاجية في العمل وتطوّر المجتمعات.
والإحسان يحتاج إلى جهد كبير من الشخص ولذلك
كان له هذا الأجر العظيم، وهذا الجهد مستمر مع الشخص من بداية تكليفه إلى نهاية
حياته. والتاريخ يثبت بأنّ الإحسان سبب رئيس في التقدّم والازدهار والسعادة، أمّا
حينما يتخلى الناس عن الإحسان، فالنتيجة الحتمية هي عكس ما ذكرناه وهذا لا شك أمر
محزن.
نحتاج إلى الاهتمام بهذا الأمر الهام – الإحسان –
ويكون جزءا من حياتنا مع سؤال الله تعالى بأن يوّفقنا إليه دائما حتى نحصل على
الأجر العظيم منه سبحانه. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون
من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة السادسة (التقوى) - 23 إبريل 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي
تهدف إلى بيان بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما
جاءت في القرآن الكريم. في هذه الحلقة، سأذكر العمل الثاني الذي جاء في الآية التي
ذكرناها في الحلقة الماضية "الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن
بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ
أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران 172) ألا وهو التقوى.
ولنعرف قيمة التقوى، دعونا نتأمل كمية الآيات
الكريمة التي جاءت بالأمر بالتقوى أو بيّنت ثمرات التقوى، فسنجدها كثيرة وهذا يدلّ
على المنزلة العالية للتقوى عند الله تعالى ولذلك استحقّت بأن تكون لها هذا الأجر
العظيم عند الله تعالى.
ويدلّ على هذه المنزلة العالية قوله تعالى:
"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات 13)، فاختار سبحانه وتعالى من بين كل الأعمال التقوى ليبيّن عظم منزلة صاحبه عنده تعالى.
وهذا ليس بغريب، إذ أنّ المتّقي يحرص أشدّ الحرص على طاعة الله تعالى بأداء ما أمر به سبحانه واجتناب ما نهى عنه.
وتعريفات التقوى متعددة عند الصحابة والسلف
رحمهم الله تعالى، وهذه جملة من التعريفات:
- الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة
بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
- أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن
يُشكر فلا يُكفر.
- أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو
ثواب الله، وأن تجتنب معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
- ألا يراك الله حيث نهاك ولا يفتقدك حيث طلبك.
وكل هذه التعريفات تدلّ على أنّ تحصيل التقوى
ليس بالأمر الهيّن خاصة أنها عبادة قلبية لا يطّلع عليها إلا الله تعالى ثم تظهر
بعد ذلك على جوارح الشخص وتصرفاته وأعماله، وبالتالي يحتاج الشخص أولا إلى عون من
الله تعالى ثم جهاد مستمر للنفس حتى آخر لحظة من لحظات الحياة، وقصص الصالحين في
القديم والحديث تدلّ على هذا الاهتمام الشديد بمسألة التقوى.
وهناك أمور متعددة تساعد الشخص في تحصيله
للتقوى واستمراره عليها مثل معرفة حق الله تعالى وتعظيمه سبحانه، وكذلك تذكّر
الموت والجنة والنار، وأيضا استشعار ثمرات التقوى وما أعدّه الله تعالى للمتقين في
الدنيا والآخرة. وتدبّر القرآن الكريم وقراءة الأحاديث النبوية الشريفة وسيرة
الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام والسلف الصالح من الأمور المعينة كذلك
على تحصيل التقوى والسير عليها.
نحتاج إلى الاهتمام بهذه العبادة القلبية
الهامة مع سؤال الله تعالى بأن يوّفقنا إليه دائما حتى نحصل على الأجر العظيم منه
سبحانه. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون
القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة السابعة (الإيمان) - 13 مايو 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا
مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان
بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن
الكريم. في هذه الحلقة، سنعيش مع الآية الكريمة: "وَإِن تُؤْمِنُواْ
وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران 179) لنتحدث عن عمل عظيم
جدا ألا وهو الإيمان.
هناك تعريفات متعددة للإيمان، فمن تعريفاته ما ذكره
النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف حين سأله جبريل عليه السلام عن
الإيمان، فقال: "أنْ تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر،
وتؤمن بالقدر خيره وشره" (رواه مسلم). وقد عرّفه العلماء كذلك بأنّه قول
باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وغير ذلك.
المهم هنا بجانب معرفة التعريفات العمل بها، فهذا يعطي
الإيمان هذه القيمة العالية والأجر العظيم من الله تعالى. وحتى نصل إلى مرتبة
الإيمان يجب علينا أن نتدبّر آيات القرآن الكريم التي عرّفت المؤمنين وصفاتهم
ونسعى بأن نتّصف بها، فبذلك نعرف كيف نصل إلى الإيمان وندرك ما للإيمان من أجر
عظيم.
تأمّل مثلا في قول الله تعالى: "إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ" (الأنفال 2-3)، فكل عمل من هذه الأعمال لها منزلة عالية وأجر
عظيم، فاجتماعها هنا يدلّ على القيمة العالية للإيمان وكيف أنّ لها هذا الأجر
العظيم عند الله تعالى.
وكذلك قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة 71)، فهذه أعمال جليلة توصل كذلك إلى الإيمان.
وهناك كذلك صفات وردت في بداية سورة المؤمنون وهكذا في آيات أخرى.
أنْ يكون الشخص مؤمنا، فهذا يعني أنّ الشخص وصل إلى
مرتبة عظيمة تؤهّله بأن يكون الله تعالى وليّه ومعه ولا يضيع أجره ويبشّره وينصره
وغير ذلك ممّا يُفرح الشخص في الدنيا والآخرة. ويحتاج هذا الأمر إلى جهد كبير
ومتواصل من الشخص حتى آخر لحظة من حياته لأنّ الشيطان ومغريات الدنيا للإنسان
بالمرصاد دائما.
ثم تأمّل الأجر العظيم الذي وعده الله تعالى للمؤمن كمثل
قوله تعالى: "وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي
جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"
(التوبة 72)، فالمؤمن ينال هذا الفضل العظيم وذلك كما قال سبحانه هو الفوز الحقيقي
والمطلق. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون
القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة الثامنة (الصلاة) - 25 مايو 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا
مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان
بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن
الكريم. في هذه الحلقة، سنعيش مع الآية الكريمة: "لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا
أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً
عَظِيماً" (النساء 162) لنتحدث عن عمل عظيم جدا ألا وهو إقامة الصلاة.
إذا تأمّلنا كتب السنة المطهرة فسنجد بأنّ جزءا كبيرا
منها احتوت على الأحاديث الشريفة المتعلقة بالصلاة وما يتعلّق بها مما يدلّ على
منزلتها العالية في الإسلام ومكانتها الكبيرة عند الله تعالى ولذلك استحقّت بأن
يكون لها هذا الأجر العظيم من الله تعالى.
وأهم الصلوات هي الصلوات الخمس وهي من الفرائض التي افترضها
الله تعالى على عباده، فمن أدّاها في أوقاتها كاملة استحقّ الأجر العظيم من الله
تعالى ومن تكاسل عنها أو لم يؤدّها فقد خسر خسرانا مبينا. قال الله تعالى في
الحديث القدسي: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدي بشَيءٍ أَحَبَّ إلَيَّ
مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيه" (رواه البخاري). والصلوات الخمس على رأس هذه
الفرائض وبالتالي فهي من أحبّ ما يتقرب به الشخص إلى الله تعالى.
ثم تأتي النوافل وهي كثيرة ومتعددة وكل واحدة منها لها
أجر عظيم من الله تعالى، وكلّما زاد الشخص منها كان أجره أعظم وأكبر. وأفضل هذه
النوافل هي قيام الليل وتدخل فيها أداء سنّة الوتر، ثم تأتي النوافل الأخرى كالسنن
الرواتب التي يستطيع الشخص أن يبني لنفسه في كل يوم بيتا في الجنة بجانب حصوله على
الأجر العظيم لأدائه لهذه النوافل.
وهناك صلاة الضحى التي لها أجور عظيمة جدا وكذلك سنّة
الوضوء والمحافظة على أربع ركعات قبل صلاة العصر وأربع ركعات قبل الظهر وبعده
وغيرها. وتأمّل معي هذا الحديث العظيم لنعرف أجرا عظيما واحدا فقط من الأجور
العظيمة التي يحصل عليها الشخص من محافظته على الصلوات في اليوم والليلة. قال صلى
الله عليه وسلم: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ
للهِ سَجْدَةً إلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرجَةً، وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئةً"
(رواه مسلم). فاحسب كم سجدة تسجد في اليوم لتعلم كم درجة تصعد وكم خطيئة تُغفَر،
والحمد لله على ذلك كثيرا.
والمتأمّل في الآيات الكريمة يجد بأنّ الله تعالى يحثّ
دائما على إقامة الصلاة ويثني على الذين يقيمون الصلاة وليس الذين يصلّون لأن
إقامة الصلاة تعني كما قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى هي: (إقامتها ظاهرا
بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطنا بإقامة روحها وهو حضور القلب
فيها وتدبّر ما يقوله ويفعله منها). فليحرص الشخص على ذلك حتى ينال الأجر العظيم من الله تعالى.
أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون
القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة التاسعة (الزكاة) - 14 يونيو 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا
مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان
بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن
الكريم. في هذه الحلقة، سنعيش مع عبادة أخرى عظيمة في الآية الكريمة: "لَّـكِنِ
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ
سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً" (النساء 162) ألا وهي الزكاة.
الزكاة كما قال العلماء هي أخت الصلاة وذلك لكثرة ورودها
معها في الآيات الكريمة مما يدلّ على أهميتها الكبيرة ومكانتها العالية، ولذلك
استحقّ مؤدّيها الأجر العظيم من الله تعالى لذلك لأنه أطاع الله تعالى في أداء هذه
الفريضة العظيمة من ناحية. ومن ناحية أخرى، فقد جاهد نفسه في إخراج شيء محبّب إلى
النفس كما قال سبحانه: "وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً" (الفجر 20).
والمتأمّل في آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية
الشريفة يجد ثمرات كثيرة وأجورا عظيمة للإنفاق في سبيل الله تعالى وبما أنّ الزكاة
تأتي على رأس الإنفاق كونها فريضة في الإسلام، فجميع هذه الثمرات والأجور متحققة
للشخص الذي يزكّي ماله.
والجميل في مسألة الزكاة أنّ الشخص يحصل على أجر دنيوي
أيضا بجانب الأجر العظيم في الآخرة بإذن الله تعالى كما قال سبحانه: "وَمَا
أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ
خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (سبأ 39)، وهذا يؤيّده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال
فيه: "ما مِن يَومٍ يُصبِحُ العِبادُ فيه إلَّا مَلَكانِ يَنزِلانِ، فيَقولُ
أحَدُهما: اللهُمَّ أعطِ مُنفِقًا خَلَفًا، ويقولُ
الآخَرُ: اللهُمَّ أعطِ مُمسِكًا تَلَفًا"
(رواه البخاري).
ولكي ندرك منزلة الزكاة الكبيرة وهذا الأجر العظيم لها،
فإنّ أثرها ومنافعها تمتدّ إلى المجتمع ككل حيث يقلّ الفقراء والمحتاجين ويصبحون
أعضاء نافعين للمجتمع. وفي المقابل، فإنّ منع الزكاة لها آثار مدمّرة ليس على المجتمع
فحسب وإنّما على الطبيعة كذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: "ما منع قومٌ الزكاةَ؛ إلا ابتلاهم اللهُ
بالسِّنينَ" (رواه الطبراني)، وفي رواية أخرى: "ولا منَع قومٌ قَطُّ الزكاةَ إلا حبَس اللهُ
عنهمُ القَطرَ" (رواه الحاكم).
بقي أن نذكر بأنّ على الشخص أن يتفقّه في أحكام الزكاة،
فهناك أنواع متعددة من الزكاة كزكاة المال والأنعام والتمور والزروع والثمار
وغيرها. فالفقه وسؤال العلماء ضرورة حتى يكون الشخص على بيّنة وحتى يؤدّي الزكاة
بالصورة التي أرادها الله تعالى. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن
نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة العاشرة (الإيمان باليوم الآخر) - 23 يونيو 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا
مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان
بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن
الكريم. في هذه الحلقة، سنعيش مع عبادة أخرى عظيمة في الآية الكريمة: "لَّـكِنِ
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ
سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً" (النساء 162) ألا وهي الإيمان باليوم الآخر.
الإيمان باليوم الآخر هو التصديق بكل ما يكون بعد الموت
من أحداث يوم القيامة من بعث وحساب وجزاء وكل ما يتعلّق بالجنة والنار كما جاء في
القرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة. والسؤال هنا، لماذا هذا الأجر العظيم
للمؤمن باليوم الآخر؟
لأنّ الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان
وبالتالي لا يكتمل إيمان الشخص إلا بهذا الأمر، ولا شكّ أنّ في ذلك أجر عظيم لأنّ
في ذلك طاعة لله تعالى وهو سبحانه القائل: "وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً" (الأحزاب 71).
والإيمان باليوم الآخر من أولى صفات المتّقين كما جاء
ذلك في أوائل سورة البقرة حين قال سبحانه: "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ
فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" (البقرة 2-3).
والمتّقون لهم أجر عظيم عند الله تعالى كما ذكرنا ذلك في حلقة سابقة.
الإيمان باليوم الآخر يدفع الشخص إلى الحرص على عمل
الصالحات واجتناب المعاصي والمنكرات وفي ذلك أجر عظيم من الله تعالى، فمن يعلم
بأنّ هناك حسابا وحياةً بعد الموت سوف يعمل لذلك بعكس من يخرج ذلك من حساباته
ويتمتّع ويلهو في هذه الحياة الدنيا.
الإيمان باليوم الآخر يورث الشخص خُلُق الصبر بجميع
أنواعه، والصبر من الأمور التي لها أجر عظيم عند الله تعالى كما سنبيّن في حلقات
لاحقة بإذن الله تعالى. وبجانب الصبر، يحرص الشخص المؤمن باليوم الآخر كذلك على
جميع الأخلاق الحسنة لأنّ في التخلّق بها أجر عظيم عند الله تعالى.
الإيمان باليوم الآخر له ثمرات متعددة على الشخص في
الدنيا والآخرة، وكل ثمرة من هذه الثمرات لها أجر عظيم عند الله تعالى وبالتالي
استحقّ أن يكون على رأس الأمور التي تكون سببا في فلاح الشخص ورفعة درجاته عند
الله تعالى. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة الحادية عشرة (الإسلام) - 13 يوليو 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا
مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان
بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن
الكريم. في هذه الحلقة، سنقف مع صنف من الأصناف التي وردت في الآية الكريمة:
"إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" (الأحزاب 35) وهو صنف المسلم.
أن يكون الشخص مسلما فهذه نعمة كبيرة من الله تعالى، ولا
يدرك هذه النعمة إلا من انتقل من الكفر إلى الإسلام لأن ذلك يعني أن الشخص قد
انتقل من الخلود في النار بسبب كفره إلى الخلود في الجنة بفضل الله تعالى ورحمته.
عندما نسمع عن الإسلام فإنّ أول ما يتبادر إلى أذهاننا شهادة
أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، فالشهادتين جزء من الإسلام بل هو بوابة
دخول الإسلام، ولكن الإسلام بحد ذاته ذو معان عميقة جدا أكبر من كون نطق الشهادتين
فحسب ولذلك كان له هذا الأجر العظيم عند الله تعالى.
فالإسلام كما جاء في الحديث الشريف "الإسلام أن
تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم
رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" (رواه ابن ماجه)، فهذا الحديث العظيم
يبيّن أركان الإسلام، وكل عمل تمّ ذكره له منزلته الكبيرة في الإسلام وأجر عظيم من
الله تعالى وقد تطرّقنا لبعض منها في حلقات سابقة.
والإسلام كذلك في أحد معانيه يعني التسليم المطلق لله
تعالى وهذا ما نفهمه من قول الله تعالى: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ
قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" (البقرة 131)، قال الإمام ابن كثير
رحمه الله تعالى: (أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد)، وقال الإمام
القرطبي رحمه الله تعالى: (والإسلام في كلام العرب: الخضوع والانقياد للمستسلم). فالمسلم
يستسلم لله تعالى في كلّ أموره كما قال سبحانه: "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي
وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" (الأنعام 162-163).
وهذا التسليم المطلق لله تعالى يجعل الشخص قريبا من الله تعالى، يطيع أوامره
ويجتنب نواهيه وهذا له أجر عظيم من الله تعالى.
معنى آخر جميل للإسلام ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل أي المسلمين
أفضل؟ قال: "من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (رواه الترمذي)، وفي
رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أفضل المؤمنين إسلاما من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (رواه
الطبراني وصححه الألباني). فهنا يبيّن النبي صلى الله عليه وسلم معنى جديدا
للإسلام وهو المسالمة وعدم إيذاء الآخرين وهذا كذلك مما له أجر عظيم عند الله
تعالى.
من المعاني التي تساهم بأن يكون الشخص مسلما بحق ما ذكره
الرسول صلى الله عليه في الحديث الشريف: "وأحِبّ للناس ما تحبّ لنفسك تكن
مسلما" (رواه أحمد). فالإسلام هنا هو حبّ الخير والنفع للآخرين وهذا من
المعاني العميقة جدا حيث يساهم في نشر المحبة والخير بين الناس وتقليل معاني
الكراهية والأنانية والحقد وهذا كلّه له أجر عظيم عند الله تعالى.
نحتاج أن نحمد الله تعالى كثيرا على أن جعلنا مسلمين فهذه نعمة كبيرة ذات
أجر عظيم جدا. أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة الثانية عشرة (القانتون) - 23 يوليو 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا
مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان
بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن
الكريم. في هذه الحلقة، سنقف مع صنف جديد من الأصناف التي وردت في الآية الكريمة:
"إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" (الأحزاب 35) وهو صنف القانتون.
جاءت عدّة معانٍ لكلمة (القانتين) كما ذكرها المفسرون، فقال
الإمام السعدي رحمه الله أنهم (المطيعون للّه ولرسوله)، وقال الإمام ابن كثير رحمه
الله: (القنوت: هو الطاعة في سكون)، وقال الإمام القرطبي رحمه الله: (والقانت:
العابد المطيع). وكل هذه المعاني قريبة من بعضها البعض. فالقنوت يدور معانيه حول
العبودية لله تعالى وطاعته والخضوع له سبحانه وكلّ هذه المعاني لها أجر عظيم عند
الله تعالى.
فخذ على سبيل المثال معنى العبودية لله تعالى والتي تعني
طاعته سبحانه باتّباع أوامره واجتناب نواهيه ويدخل في ذلك طاعة الرسول صلى الله عليه
وسلم. وهذه الطاعة لها ثمرات كثيرة وأجر عظيم عند الله تعالى ويكفي في ذلك قوله
سبحانه: "وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَار" (الفتح 17).
ولهذا، فقد كان للقنوت منزلة عالية وقيمة عظيمة حيث مدح
الله تعالى إبراهيم عليه السلام بهذه الصفة حين قال سبحانه: "إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ" (النحل 120)، قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: (أي: مديما
لطاعة ربه مخلصا له الدين)، فمن بين كل الصفات اختار الله تعالى صفة القنوت ليمدح
به إبراهيم عليه السلام وهذا مما يجعله كذلك ذو أجر عظيم جدا.
وكذلك أمر الله تعالى مريم عليها السلام بالقنوت حين قال
سبحانه: "يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ
الرَّاكِعِينَ" (آل عمران 43)، فقدّم سبحانه القنوت على السجود والركوع مما
يدل على أهميتها. ولذلك مدحها الله تعالى بهذه الصفة لتكون قدوة لنا جميعا:
"وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا
فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ
الْقَانِتِينَ" (التحريم 12).
وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالقنوت كذلك حين قال
سبحانه: "حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ
لِلّهِ قَانِتِينَ" (البقرة 238) أي مطيعين له سبحانه كما قال المفسّرون
رحمهم الله تعالى. بل إن الله تعالى ذكر بأن الكون كله قانت لله تعالى: "بَل
لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ" (البقرة
116)، وقوله سبحانه: "وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ
قَانِتُونَ" (الروم 26) أي مطيعون له سبحانه.
نحتاج أن نعمل جاهدين لأن نكون من هذا الصنف حتى نحصل
على هذا الأجر العظيم من الله تعالى ونفوز في الدنيا والآخرة بإذنه سبحانه. أسأل
الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
**********************************************
الحلقة الثالثة عشرة (الصدق) - 13 أغسطس 2026
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا
مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أما بعد:
مع حلقة جديدة من سلسلة (أجر عظيم) والتي تهدف إلى بيان
بعض الأعمال الصالحة التي تترتّب عليها أجوراً عظيمة وكبيرة كما جاءت في القرآن
الكريم. في هذه الحلقة، سنقف مع صنف جديد من الأصناف التي وردت في الآية الكريمة:
"إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" (الأحزاب 35) وهو صنف الصادقون.
الصدق من الأخلاق التي تتفق عليها البشرية على مدار
الزمان. والصدق هو الخَبَر عن الشيء على ما هو به، وهو نقيض الكذب، وهو كذلك قول
الحقيقة. قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: (والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم
وأقوالهم ونياتهم على الصراط المستقيم والهدْي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة
ذلك الصدق، إذا أحلّهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
وكون الصدق من الأخلاق الكريمة التي يأمر بها الإسلام
يجعل المتخلّق به ذو أجر عظيم لأنه يطيع أمر الله تعالى كما قال سبحانه: "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة 119)، قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: (في أقوالهم
وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا خلية
من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة،
فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة).
ولهذا، كان الصدق من الأمور التي تؤدّي إلى الجنة بسبب
هذا الأجر العظيم الذي يحصل عليه صاحبه كما جاء في الحديث الشريف: "إنَّ
الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ، وإنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإنَّ
الرَّجُلَ لَيَصدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً" (متفق عليه)،
والبرّ اسم جامع لكل أنواع الخير، فالصدق طريق إلى كل خير وطريق إلى الجنّة بعد
ذلك بإذن الله تعالى.
والله سبحانه وتعالى يحبّ الصادقين ولذلك جعل لهم ثوابا
عظيما يوم القيامة كما قال سبحانه: "قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ
الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (المائدة 119).
ومما يرفع كذلك منزلة الصدق أنّ ضدّه خلق ذميم بل هو من
أسوأ الأخلاق عند الله تعالى وعند الناس ألا وهو الكذب، ويكفي أنّه طريق إلى نار
جهنّم والعياذ بالله تعالى كما جاء في الحديث الشريف: "فَإِنَّ الْكَذِبَ
يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا
يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ
كَذَّابًا" (متفق عليه).
نحتاج أن نعمل جاهدين لأن نكون من هذا الصنف حتى نحصل
على هذا الأجر العظيم من الله تعالى ونفوز في الدنيا والآخرة بإذنه سبحانه. أسأل
الله تعالى أن يوفّقنا إلى عمل الصالحات وأن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه، والحمد لله رب العالمين.